النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

في مسألة التربية والتعليم!!

رابط مختصر
العدد 10020 الأربعاء 14 سبتمبر 2016 الموافق 12 ذي الحجة 1437

تُعد التربية والتعليم، مثلما هو معلوم، فعلاً جوهريًا حيويًا في حياة المجتمعات الإنسانية، إذ هو ضامن استمرارها ثقافيًا بالمعنى الفلسفي لكلمة ثقافة، وعنوان امتداد حضورها عبر الزمن عنصرًا فاعلاً في التاريخ مؤثرًا في مساره تأثيرًا إيجابيًا. وقديمًا كانت العملية التربوية موكلة أساسًا إلى الأسر والفعاليات المجتمعية، أما التعليم فقد ترك لأناس مختصين بمنطق ذلك العصر القديم كانوا يقومون بمهماتهم التعليمية في البحرين ودول مجلس التعاون فيما كان يعرف بالكتاتيب، كان ذلك قبل أن ينشئ المجتمع مدارسه النظامية العصرية المتخصصة، ومع ذلك ساهمت تلك الحقبة في بناء أسس مجتمع التعلم الذي يُعد واحدًا من مفاخر المجتمع البحريني بشكل خاص.

أما اليوم وبعد أن رتبت المجتمعات الإنسانية أوضاعها وأكملت تطورها وانتظمت في دول حديثة أنيط فعل التربية والتعليم مع رصد الميزانيات اللازمة إلى جهات حكومية، اختلفت مسمياتها، فبعضها أطلق عليها «دائرة المعارف» وبعضها الآخر سماها «وزارة المعارف» وبعض آخر اختار لها من الأسماء «وزارة التربية»، وهكذا ثبتت الدولة المدنية أركانها عبر مأسسة الفعل التعليمي التربوي لتكون مؤتمنة عليه، مؤمنة به سبيلاً أساسيًا من سبل منعة الوطن وازدهاره وسرعة تأقلمه مع مختلف متغيرات العصر. 


 وفي كل الأحوال، بقيت مهمة التربية والتعليم منوطة بهذه الـ«الدائرة» أو تلك «الوزارة» وفق رؤية مجتمعية كان هدفها الأسمى دائمًا تخريج مواطنين متعلمين وصالحين، يغطون احتياجات المجتمع المتنامية بالكوادر البشرية، بما يتوافق مع رؤية حديثة هدفها تخريج طلبة على درجة عالية من العلم والمعرفة، ويمتلكون مهارات في التعامل المجتمعي مبنية على قيم المواطنة التي يأتي في صدارتها تقوية الولاء للأوطان ولقياداتها السياسية، وتثبيت الانتماء لها. وهذا حق مطلق للدول في سعيها للمحافظة على وحدة مجتمعاتها، والنأي به عن الخضات الاجتماعية الناشئة من التعارضات بين المكونات الاجتماعية.


 وكنت قد أشرت في مستهل مقالي السابق يوم الجمعة الماضي إلى أن أطفالنا، طلبة مدارسنا في المستويات الدراسية المختلفة، قد يكونون مارسوا عملية التعلم في عطلتهم الصيفية من خلال اللعب، أو من خلال الحياة، ولا عجب إن وجد ضمن هذه المؤسسات «الوطنية» جماعات طائفية مذهبية وراديكالية تستبطن الشر لهذا المجتمع المسالم.

وقد كنت بذلك أعني أن التعلم يحدث من خلال الأنشطة الصيفية كالتي تقيمها سنويًا وزارة التربية والتعليم ومنها النشاط الصيفي الذي أقامته في هذا العام تحت شعار «أطلق يديك» في معهد الشيخ خليفة بن سلمان للتكنولوجيا، حيث تم تخصيص نشاط هذا العام لتنمية المواهب، ومثلها مهرجان صيف البحرين الذي تقيمه سنويًا في مدينة «نخول» هيئة البحرين للثقافة والآثار فمثل هذه الفعاليات لا تغفل اهتمامات الأطفال بأهداف تنمي معارفهم ومهاراتهم المواطنية. هذا النوع من التعليم يعزز لدى المتعلم مكتسباته خلال العام الدراسي أولاً، ويبعد الناشئة عن غوائل الشارع، ونهب التيارات الراديكالية في المجتمع، فضلاً عما يوفره لهم من متعة تجعلهم يستمرئون حلاوة العطلة الصيفية. 


 غير أني، بصورة عامة، أبدي تحفظًا في شكل التعليم، وأشك في نوع التربية اللذين يجري إعطاؤهما للأطفال خارج أسوار المدرسة الرسمية، ولا أفترض حسن النية أبدًا في ذلك، والسبب في ذلك هو أن كل التنظيمات الطائفية والحركات المذهبية التي تغص بها أرضنا العربية منشؤها التربية والتعليم خارج أسوار المدرسة الرسمية، وأقصد هنا التربية والتعليم التي يعهد بها إلى الصناديق الخيرية أو الجمعيات ذات المرجعيات الدينية والسياسية التي لا يخفى على أحد أن أحد أهم الأسباب التي أسهمت في الانقسام

المجتمعي هو التربية التي يتحصل عليها الأطفال منذ نعومة أظفارهم في هذه الأطر غير الرسمية المنفلتة من كل عقال مدني أو منهجي صارم، فنحن في هذه الحالة أمام خدمة تربوية تعليمية موجهة وفق أجندات فئوية وطائفية ضيقة لا متضرر منها إلا مقومات الوحدة الوطنية ومكوناتها، فهل منا من سمع يومًا أن مدرسة حكومية، مثلاً، في أي مكان من العالم ربت أطفالها على رفع شعار «دولة الخلافة»، أو «المظلومية»، أو «الشعب يريد... النظام»؟


 مع ظهور الحركات السياسية بمذاهب شتى، وإيديولجيات مختلفة، سعت بأن يكون فعل التربية أداة في أيديها تصوغ بها أفكار الناشئة وفق مرئياتها وقناعاتها فابتدعت بدائل ووسائل للتأثير في مخرجات التعليم الحكومية، من خلال أنشطة منظماتها الحزبية التي ذهبت مذهبًا تخريبيًا ينشئ الطلبة على منشأ تفضيل الفئة على الجماعة، وتعمل من أجل المذهب والإيديولوجيا على حساب الوطنية، وتسعى من خلال الإعلام، وخصوصًا وسائل التواصل الاجتماعي، إلى بث السموم التي تلوي أعناق الناشئة لتجعلها مثلهم سجينة السقيفة والفتنة الكبرى، وضحية أحقاد تاريخية لم تجد في عصرنا الحاضر مجالاً أفضل من الإسلام السياسي لتعشش فيه وتضمن دوامها وامتدادها واستمرارها.

وليس هذا التكالب من قوى سياسية إيديولوجية أو دينية راديكالية، من أي دين أو مذهب، إلا محاولة للتأثير على العمل الحكومي في مجال التربية بالخصوص لتوجيهه وفقًا لما خططت له الجماعة بعيدًا عن تطلعات المجموعة الوطنية ومقاصدها التنويرية والتنموية؛ لأن الجماعات المذهبية تعلم جيدًا أن لا شيء يهدد وجودها أكثر من العلم والعقول المستنيرة المؤمنة بمدنية الدولة، فإذا ما فتحت الأبواب أمام العلم والتعلم فرَّت الطائفية مصحوبة بالجهل من الشباك.


 سؤال جوهري ينبغي أن يطرح هنا، مفاده ما الذي ينبغي على المجتمع الذي أعطى طوعًا مهمة التعليم إلى الحكومات أن يفعل لمواجهة هذا التحدي؟
 في اعتقادي أن ما ينبغي فعله في هذا الجانب هو أن تكون الجماعات في داخل المجتمع الواحد متفقة على أن تكون مهمة التربية والتعليم حصرية في المدارس الحكومية، وتلك المدارس التي تقع تحت إشراف وزارات التربية والتعليم، لأن مأسسة التعليم فيها تجعل مختلف إجراءاته تصورًا وتخطيطًا وتنفيذًا وتقويمًا بين أياد أمينة لا شرقية ولا غربية،

لا شيعية ولا سنية، لأنها ببساطة تتكلم بلسان المجموعة الوطنية وتعمل وفقًا لانتظاراتها وآمالها في تعليم تكون به يقظة العقول ونهضة الأوطان. ثم على وسائل الإعلام في الدول المبتلاة بهذا النوع من التعليم أن ترفع من وعي مواطنيها بمخاطر التربية التي تكون سببا في تفشي مفردات المنهج الخفي المضادة لتوجهات التربية والتعليم الموجهين للأطفال؛ لأن في هذا المنهج الخفي جرثومة فتاكة بكل ما من شأنه أن يحفظ للوطن استقراره وتماسكه. وأحسب أن هذا هو التحدي الذي ينبغي أن يتصدى له المجتمع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها