النسخة الورقية
العدد 11122 السبت 21 سبتمبر 2019 الموافق 22 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31PM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

في العيد نؤجل السياسة

رابط مختصر
العدد 10019 الثلاثاء 13 سبتمبر 2016 الموافق 11 ذي الحجة 1437

هل نستطيع؟؟ لا أعتقد فالسياسة شئنا أم أبينا أصبحت تنام تحت وسائدنا وتختلج بها أنفسنا وأرواحنا.
لنحاول إذن ولنتحدث في السياسة «غشمره» فسنذكر صاحبنا وان كان يفوقنا عمراً حين كنا ما نزال بعد في أول الطريق نتلمس الوعي بالسياسة في فرجاننا القديمة.
ولأنه رجل كبير في العمر ولأنه مغرم سياسة فقد كنا نلجأ له ثم اكتشفنا مع الوقت انه هو من يلجأ لنا، ليقول ما شاء وما يعن له من تحليلات وتنظيرات فالجماعة صغار ولن يدخلوا معه في نقاش محرج.


كان الرجل ينطلق بإسهاب في توقعاته السياسية فيهمس بأن روسيا سوف تضرب تل أبيب خلال يومين ولن تستطيع امريكا ان تتصدى لها فالروس اقوى من الامريكان.
وان عبدالحكيم عامر سيطير الليلة سراً الى تل أبيب ينتظر وصول الروس ليدلهم على منزل غولدا مامنئير وديان.
وهكذا كنا ننام بأحلام صنعها لنا ذلك السياسي المحنك ونحن له مصدقون، ثم فجأةً اختفى الرجل وغاب أياماً ليحرمنا من تحليلاته وتوقعاته وتفسيراته السياسية.


ثم فجأةً عاد ليحتل ركنه المفضل في الدكان فأقبلنا عليه ملهوفين ومحملين بالاسئلة السياسة، ولكننا سألناه أين كنت طوال تلك الأيام. هل سافرت؟؟
ابتسم وقال «في مهمة سرية الى القاهرة» فذهلنا ذهولاً عظيماً واقتربنا منه حتى نسمع التفاصيل، وقبل ان يتحدث بحرف واحد عن مهمته، امرنا قائلاً «طلبوا لي بارد وقوطي سجاير» فلبينا الطلب في لمح البصر.


أشعل السيجارة وارتشف من غرشة البارد ثم اعتدل في جلسته وهمس، «اجتماع مع مسئولين مصريين كبار كلفهم حسين الشافعي بالبحث عن متطوعين للقتال في فلسطين بعد وصول الروس الى تل أبيب».
وعصراً ونحن جلوس في الدكان دخل علينا أحد رجالات الفريج، وقال ناصحاً«تركوه عنكم كان مسجوناً طوال اسبوع لأنه سرق ثياب الغسيل في بيت فلان». فصعقنا وصدمنا في مفكرنا وفي السياسي الذي كنا نلجأ له ونستمع اليه ونصدقه.


وكان ذلك الدرس الأول وان كان محل تندر وضحك منا إلاّ اننا تعلمنا ان لا نصدق خصوصاً السياسيين الذين يبيعون الكلام وأصبحوا الآن يبيعون الشعارات.
ولأننا كنا مسكونين بالسياسة ونبحث عن مصدر للوعي السياسي فقد اقتربنا من شاب يكبرنا بسنوات لا نعرفه جيداً ولكننا ظننا الى درجة اليقين أنه سياسي ناصري كبير كونه يذهب الى السوق والى القهوة متأبطاً كل يوم كتاباً وجريدة ويمشي صامتاً.


ولاشك أن صمته «هكذا تخيلنا» نتيجة استغراقه في هموم الأمة العربية، فهو مثقل بالمسائل الكبيرة «الوحدة العربية» مثلاً، ولا وقت لديه حتى للابتسامة او الصخب كما من هم في مثل عمره.
بذ لنا محاولات للاقتراب منه حتى تواضع وتنازل فأقبل علينا مبتسماً، فكانت الفرصة الذهبية لان ندعوه «لغرشة بارد» وهي مفتاح المعرفة والصداقة في ايامنا الخوالي تلك ورحم الله أيامنا.


لم نمهله طويلاً وبدأت اسئلة السياسيين الصغار تنهال عليه من كل جانب، واخونا يجيب بابتسامة وهدوء مثير للدهشة فزاد اعجابنا به وثقتنا في قدرته السياسة، فكنا كمثل من عثر على كنز!!
ولكن وكما يقولون يا فرحه ما تمّت، فقد اكتشفنا ان مثقفنا وسياسينا الكبير العملاق لا يقرأ ولا يكتب ولاعلاقة له بالسياسة ولا بالثقافة ولا بالحرف المكتوب او المقروء،

 

وأنه يعاني من«خيال» فتعلق بالكتاب يضعه تحت ابطه وبالجريدة يفتحها ولا يعرف ان قرأ منها حرفاً واحداً يتيماً.
فكان ان ضحكنا حدّ الثمالة على أنفسنا، لكننا تعلمنا درساً آخر بليغاً وهو ان في السياسة مجانين، وكم اكتشفنا بعد سنين وعقود صدق ما تعلمناه من ذلك الدرس ومن ذلك الشاب الذي اختفى في زحمة الحياة، وليتهم من يشابهونه يختفون..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها