النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حول الديمقراطية المعلقة في سمائنا الخروج في متاهة البحث عن أنفسنا الضائعة..

رابط مختصر
العدد 10018 الإثنين 12 سبتمبر 2016 الموافق 10 ذي الحجة 1437

حديثنا عن الديمقراطية غالبًا ما يكون ذا طابع اختزالي، بالتركيز على البعد السياسي بالدرجة الأولى وكأنه المفتاح لجميع مشاكلنا، مما يفضي في الغالب الى تضخيم هذا البعد الى درجة تغييب بقية العناصر.
فإذا كان صحيحًا أن النضال من أجل الديمقراطية السياسية والحرية وحقوق الإنسان قد أسهم في تغيير وجه العالم الحديث، فإن الفضل في ذلك يعود إلى القيم الفكرية والتربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نسجت مقومات الحداثة في الدول الديمقراطية لبنة لبنة، وعبر قرون من الزمان، فعلى الرغم من ذلك، فإن تسريع التنمية وبناء دولة الرفاه والكفاية والسلم والاستقرار يقوم على مجموعة واسعة من المقومات، في مقدمتها العدالة الاجتماعية واستئصال الفقر الذي لا يزال يشكل العائق الأساسي أمام توفير الشروط الأساسية لتحقيق حقوق الإنسان بمعناها الشامل، ولتحقيق الديمقراطية في النهاية. ولذلك فإن أغلب تجاربنا في التقدم نحو الديمقراطية السياسية أصيبت بالفشل او التعثر لغياب هذه المعادلة، وهي على قلتها ينتهي بها الأمر الى الفشل في أول صدام اجتماعي أو سياسي. ولذلك غالبًا ما ترجع هذه البلدان الى نقطة الصفر خلال سنوات قليلة من الإعلان عن انطلاق هذه التجربة او تلك، ولا يبقى منها غير الهيكل العظمي في أحسن الأحوال.
ولا شك أن فشل أغلب هذه التجارب يعود إلى عدم القدرة على استنبات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيمها وتمهيد الأرضية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية، وذلك لأنها جاءت في الغالب نتيجة إرادة سياسية فوقية، لا علاقة لها بالواقع وامكانياته، وليس من خلال استنبات هذه القيم في الثقافة وفي التربية وفي المجتمع والحد من ازدواجية الخطاب وتأثير الفكر الإقصائي والتطرف، حيث لا يخفى أنه لا بد لثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان من أن تؤسس على نهضة جديدة للمواطنة، تبدأ من التربية ومن إصلاح وتحديث الخطاب الديني نفسه، بما يسمح بإعادة تأسيس لمجمل العملية التربوية والثقافية ضد أشكال الإقصاء والتطرف، ولن يتحقق ذلك إلا بتعزيز التنوع والحرية القائمين على الحوار والقبول بالآخر، وبإعادة التأسيس للعملية الثقافية على أساس إعادة التجديد من الداخل والانفتاح على الخارج.
إنها نهضة تقوم على تكتل تاريخي للمجتمع والأمة بأسرها، بكل طاقاتها، لتحقيق هذه الأهداف، وهذا لا يعني أن تتخلى الطبقات والأحزاب عن مصالحها وأيديولوجياتها، بل يعني تكريس هذه الأهداف لخدمة نهضة الدولة. إنها تعني وضع الوطني النهضوي الديمقراطي زمنيًا فوق الإيديولوجي. وهذا يحتم أن تقوم الأحزاب والقوى الاجتماعية بالتخلص من سلطة العقائدي ومن تشبثها الشكلي بقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
إن القيمة العميقة لأية حضارة تكمن في المكانة التي تعطيها للحرية والمشاركة ولكرامة الإنسان، إلى درجة أن حرية الإنسان وحقوقه ومكانته كمواطن هي التي تؤسس للحرية الحقيقية للتنمية الحقيقية. فليس هناك أي معنى لدولة القانون، ولا لأية تنمية، من دون ديمقراطية وحرية وحقوق الإنسان، بل إنها هي التي يجب أن تشكل المدخل الرئيسي لحث عملية التنمية والتأسيس لها. فمنطق حقوق الإنسان يجذر ويعزز أبعاد التنمية ويؤسس لها، لتصبح أعمق وأكثر أصالة في بنية المجتمع. وليس هناك أي معنى لأية تنمية، خارج إطار تعزيز حقوق الإنسان وتكريس مبدأ المواطنة المتساوية في دولة مدنية لجميع المواطنين، ولذلك فإن النضال من أجل حقوق الإنسان يجب أن ينطلق، أولاً، من الحد من أشكال الثقافة البائسة، والحد من المصالح الخاصة بالمستفيدين من أي تقسيم للمواطنين على أساس طائفي أو عنصري، والحد من خطاب السخافة الذي يعتبر حداثة الآخر كفارًا وتسطيحًا وخواء، وأن أصالتنا هي طريقنا للتقدم والتنمية، وديمقراطية الآخر فوضى وتفكك وفساد، لأن هذا هو الوهم بعينه الذي نؤسس عليه حياتنا وثقافتنا ونزرعه في عقول الناشئة، الذين أصبحوا حائرين بين ماضٍ يتشبثون بتلابيبه، ولا يستطيعون تجاوزه، وبين مستقبل لم يؤسسوا له، ينتجون حلولاً دفاعية هزيلة او يقعون ضحايا الإرهاب والتطرف. ولذلك يبدو أن الديمقراطية وشرطيها: الحرية وحقوق الإنسان لا تستطيع أن تنمو وتترسخ في تربتنا إلا بحداثة شاملة ومتكاملة وتجاوز لبؤسنا وبؤس خطابنا المريض، وتكون البداية من لحظة التنوير الحقيقية: من التعليم والفكر والثقافة والمجتمع، وقتها سوف تأتي الديمقراطية حتى لو لم نردها.
همس
خيبة المشاعر هي بالضبط ما يمكن أن يقتلنا في رحلة العواطف اللاهثة وراء المثال الذي يذوب كتمثال الثلج، ولذلك ليس من السهل أن تتخذ قرارًا بالانسحاب من لحظة الانفعال العاطفي، فهي أقرب إلى تخليص مدمن المخدرات من إدمانه، ولكن هل يبقى لمن دفع قلبه بالكامل إلى تلك اللحظة المجنونة من شيء يستحق الاهتمام بعد التحرر من طائر الأحلام؟
 المشكلة تبدأ من ضعفك الذي يهدر حريتك، ولذلك ليس من السهل أن تتخذ قرارًا من هذا القبيل، لأن المسألة برمتها خارج إرادة المقرر، فهي في حوزة طائر الأحلام الفار بين يديك كل يوم وليلة. في كل رحلة تعترينا لحظة الاشتياق وهزة اللوعة بفقدان ما نتخيله نبعًا للحب الذي لا ينضب، فنكتشف أن النبع مجرد سراب اذا اقربت منه وجدته أقرب إلى الصحراء القفراء.
نسر بهذه الكلمات إلى طائر الأحلام في لحظة الرحيل من ساحة الوهم المهدور، وفي لحظة امتلاك الحرية نكون قد اهدرنا أثمن ما جمعناه فتجمع في قلوبنا التي ظلت لسنوات طويلة تنبض وتنبض معلنة أنها تعيش من أجل الحلم.
ففي أي مكان تريدين أن أحط الرحال وأنت بلا واقع؟! وعلى أي شاطئ تريدين أن أرسو غير شاطئ الأحلام الذي بنيت عليه قصورًا من الرمال؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها