النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

الرياض وبكين في قلب الحدث

رابط مختصر
العدد 10018 الإثنين 12 سبتمبر 2016 الموافق 10 ذي الحجة 1437

الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان ولي ولي عهد المملكة العربية السعودية ووزير دفاعها إلى بكين مؤخرا، وما حظي به من استقبال لافت، وما تم توقيعه على هامش الزيارة من اتفاقيات كثيرة هي ثمرة من ثمار التطور البناء والملحوظ في العلاقات السعودية ــ الصينية الآخذة في الاتساع منذ عقد الثمانينات.
والمتابع لتطور هذه العلاقات يصاب بالدهشة لسرعته وتعدد مجالاته وآفاقه الواسعة، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه حتى منتصف ثمانينات القرن المنصرم لم يكن هناك أدنى اتصال من أي نوع بين البلدين على الرغم من محاولات بكين الدؤوبة منذ الخمسينات للتواجد في منطقة الخليج وكسب ود الرياض تحديدا باعتبارها البلد الأكبر والأقوى نفوذا وتأثيرا. ودليلنا هو أن بكين أوعزت إلى وسائل إعلامها الرسمية في منتصف الخمسينات أن تبرز دعمها للسعودية ضد بريطانيا حول قضية البريمي، ثم أعادت الكرة في مطلع الستينات حينما ثمنت الموقف السعودي المحايد من الحرب الحدودية الهندية ــ الصينية في عام 1962. وكانت بكين قد حاولت قبل ذلك التقرب من الرياض تحت ستار بحث شئون الحجاج الصينيين، وذلك حينما طلب رئيس وزرائها الأسبق «شو إن لاي» عقد اجتماع على هامش مؤتمر باندونغ (1955) مع وزير الخارجية المملكة آنذاك ورئيس وفدها إلى قمة باندونغ المغفور له الأمير /‏ الملك فيصل بن عبدالعزيز.
على أن كل تلك المحاولات كان نصيبها الفشل لسبب بسيط هو السياسات الخارجية الصينية في تلك الحقبة والتي تميزت بدعم ومناصرة الحكومات والتنظيمات الراديكالية الثورية، ولاسيما ما كان يسمى بـ «الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي» الذي اتخذ من إقليم ظفار العماني مكانا للكفاح المسلح ضد الأنظمة الخليجية كافة.
وعليه فقد مرت سنوات طويلة دون ان يقترب البلدان من بعضهما البعض، إلى أن انتهجت بكين نهجا إصلاحيا في عهد زعيمها الأسبق «دينغ هيسياو بينغ». وكان من ثمار هذا النهج قيام بكين بإعادة صياغة سياساتها الخارجية على نهج واقعي براغماتي، وعلى مبدأ التعايش مع الآخر المختلف أيديولوجيا.
ويمكن القول إن هذا التغيير شجع الرياض على كسر حاجز الجليد الذي وقف طويلا أمام استفادتها من إمكانيات الصين الكبيرة، فرأينا كيف أنها لم تتردد في طلب السلاح الصيني لتعزيز دفاعاتها الجوية في مواجهة أخطار الحرب العراقية ــ الإيرانية، بمجرد أن تيقنت أن حصولها على مثل هذا السلاح من حليفها التقليدي (الولايات المتحدة) غير ممكن بسبب قوة ونفوذ اللوبي الصهيوني في واشنطون.
وفي اعتقادي أن هذه الواقعة مثلت نقطة الفصل بين تاريخ ماض وتاريخ حديث في علاقات البلدين. إذ سرعان ما تُوجت صفقة السلاح تلك (بلغت قيمتها الإجمالية نحو 3.5 بليون دولار) بأمور كان من المستحيل توقعها قبل ذلك التاريخ ببضع سنوات. فعلاوة على ارتباط البلدين بعلاقات دبلوماسية كاملة، ظهر نشاط محموم في الاتجاهين تجسد في تبادل الزيارات الرسمية على مستوى الوزراء ونوابهم (بدءا بزيارة وزير الخارجية السعودي الراحل سمو الأمير سعود الفيصل إلى بكين في سبتمبر 1990)، وإقامة المعارض التجارية وتأسيس جمعيات الصداقة وتشكيل اللجان الوزارية المشتركة حول التجارة والتعاون الاقتصادي والتبادل العسكري والتكنولوجي.
وقد أعطت الزيارة التاريخية للرئيس الصيني الأسبق «جيانغ زيمين» إلى الرياض في 1999، وزيارة المغفور له الملك عبدالله (حينما كان وليا للعهد) إلى بكين سنة 1998 ثم زيارته لها كملك سنة 2006، وزيارة وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبدالعزيز إلى بكين في أكتوبر 2000، وزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان إلى بكين في مارس 2014 (حينما كان وليا للعهد ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع) دفعة قوية لعلاقات البلدين في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وبرهنت على أن المملكة مهتمة أكثر من أي وقت مضى بتنويع تحالفاتها الاستراتيجية وإغراء قوى عالمية جديدة بلعب دور أكثر حيوية فيما يتعلق بضمان الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ومن هنا لم يكن غريبا مطالبة الراحل سمو الأمير سعود الفيصل في حوار المنامة في عام 2004 بأن يكون للصين دور في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة.
وعلى هامش كل هذه التطورات راحت التجارة البينية بين البلدين تقفز قفزات كبيرة وتتنوع وارداتها وصادراتها. إذ تضاعف التبادل التجاري بين البلدين عشر مرات خلال الفترة من عام 2003 إلى عام 2014، فقفز من 24.6 مليار ريال في 2003 إلى 247.8 مليار ريال في 2014، علما بأن الصين تمثل اليوم أكبر شريك تجاري للمملكة التي استطاعت أن تسجل فائضا لمصلحتها في الميزان التجاري بين البلدين بنحو 73.6 مليار ريال. وتشير الاحصائيات المتوفرة إلى أن السعودية تعتبر اليوم أكبر مصدر للنفط إلى الصين، وأن صادرات النفط السعودي إليها تجاوزت الأرقام الخاصة بالولايات المتحدة.
ونظرا لتزايد حاجة الصين الى النفط والغاز والبتروكيماويات، وحرص المملكة على الاستثمار في المشاريع ذات الصلة بتمتين مركزها كمزود رئيسي للنفط ومشتقاته الى الصين، نرى أن الجانبين متحفزان للدخول في شراكات استراتيجية في مجال الطاقة. ففي 2004 مثلا استثمرت أرامكو السعودية في الصين نحو 3 مليارات دولار لبناء منشأة للبتروكيماويات يمكنها معالجة 8 ملايين طن من الخام السعودي وذلك في مقاطعة فوجيان. وفي 2006 اتفق البلدان على بناء منشأة لتخزين النفط في جزيرة هاينان بقيمة 624 مليار دولار. وفي 2010 كشفت شركة سابك السعودية عن خطة لاستثمار ما قيمته مائة مليون دولار في إنشاء مركز للتكنولوجيات الحديثة بالقرب من مدينة شنغهاي. وفي 2012 ايضا تم تدشين شركة ينبع أرامكو سينوبك (ياسرف) وهو مشروع مشترك بين أرامكو السعودية وسينوبك الصينية مقره مدينة ينبع غرب السعودية وغرضه معالجة الزيت العربي الثقيل المستخرج من حقل منيفة السعودي العملاق عبر مصفاة ضخمة تبلغ طاقتها التكريرية 400 ألف برميل يوميا وتوفر آلاف فرص العمل للمواطنين السعوديين.
يضاف إلى كل هذا، الحدث المهم الأول من نوعه في تاريخ السعودية، ألا وهو توقيع الرياض وبكين في مارس 2004 لاتفاقية تسمح الرياض بموجبها لشركة سينوبك SINOPEC الصينية العملاقة بالتنقيب عن الغاز الطبيعي وإنتاجه في مساحة تصل إلى 40 ألف كلم مربع من صحراء الربع الخالي، علما بأن سينوبك أكبر منتج ومسوق لمنتجات النفط المكرر في الصين وعموم آسيا، وثانية كبرى الشركات الصينية العاملة في مجال التنقيب عن النفط والغاز في الصين من بعد مؤسسة النفط الوطنية الصينية CNPC، وأول شركة صينية يدرج اسمها في بورصات هونغ كونغ ولندن ونيويورك وشنغهاي، ناهيك عن ملكية للدولة الصينية لها مما يتيح لها دعما رسميا خارج نطاق المعايير الاقتصادية.
ولا ننسى، ونحن نتحدث عن تطورات التعاون السعودي الصيني في المجالات المختلفة منذ ارتباط البلدين بعلاقات دبلوماسية في يوليو 1990، أن البلدين وقعا في يناير 2012 صفقة لزيادة التعاون النووي بينهما للأغراض السلمية، وهو ما يمهد الطريق أمامهما للدخول في تعاون أوسع يشمل المجالات العلمية والتكنولوجية وحقول تطوير محطات الطاقة النووية ومفاعلات الابحاث. كما لا ننسى أن البلد الذي كان محرما على السعوديين زيارته حتى وقت قريب صار قبلة لآلاف الطلبة السعوديين الذين يتلقون العلم النافع في معاهده وجامعاته بموجب برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي.
ويمكن القول إن هناك المزيد من الآفاق الرحبة لتمتين علاقات البلدين الثنائية أكثر فأكثر ونقلها إلى مستويات أرفع، طالما أن السعودية تقود اليوم مشروعا غير مسبوق لتنويع اقتصادها، وطالما أن الصين لديها أيضا مشروع طريق الحرير الذي أطلقته في عام 2013 تحت اسم مبادرة «حزام واحد، طريق واحد» بهدف تمكين منشآتها وشركاتها العامة والخاصة من الاستثمار والعمل في 65 دولة في آسيا الوسطى وأوروبا والشرق الأوسط. حيث بإمكان المملكة أن تحقق فوائد اقتصادية وجيوسياسية جمة من المبادرة الصينية، خصوصا وأنه يتوفر لها ما لا يتوفر لغيرها. فهي مثلا أكبر مصدر للطاقة في العالم، وتملك موقعا جغرافيا مهما على مسار الطريق، وهي الأقل من جهة المخاطر التشغيلية بسبب استتباب أوضاعها الداخلية، ناهيك عن ووجود استثمارات متبادلة بينها وبين الصين منذ أعوام في قطاعات الطاقة والاتصالات والانشاءات وغيرها، ووجود الآلاف من طلبتها في الجامعات والمعاهد الصينية، وهذا طبعا يجسد جزءا من المشهد الثقافي للمبادرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها