النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

نحو نقطة بداية جديدة: التوقف عن الدوران في حلقة المناورة السياسية

رابط مختصر
العدد 10011 الإثنين 5 سبتمبر 2016 الموافق 3 ذي الحجة 1437

بعث لي أحد القراء تعقيبًا على تعليقي على ما وردني الأسبوع الماضي من ملاحظات حول مقالة (حتى لا يكون الوطن مجرد غنيمة)، فيما يتعلق بموضوع استعادة التوافق الوطني من أجل استعادة المجتمع عافيته، فجاء في هذا التعقيب قول القارئ: «لا اتفق معك فيما ذهبت إليه حول مسؤولية إفشال مسيرة التوافق الوطني والتي أرجعتها إلى من أسميتهم «بعض القوى»، وأرى أن الفقرة التي حملت فيها هذه القوى المسؤولية الكاملة على ما حدث في 2011م وما تلاها، بقولك: «من المؤسف أن بعض القوى السياسية ما تزال إلى حد اليوم متمسكة بمفاهيم ورؤى غير قابلة للتوافق حولها لأنها تنسف القواعد والثوابت، وتصر على ذلك مع إدراكها باستحالة تحقيق ما تريد فرضه، مما يؤكد ضعف الخبرة السياسية لديها، وعدم واقعيتها في ذات الوقت، وهو ما يعطل ترجمة هذا التوافق على الأرض ولا يشجع الأطراف الأخرى على الانخراط معها في حوار توافقي جاد ومثمر»، وهذا الكلام فيه ظلم شديد لهذه القوى بتحميلها لوحدها المسؤولية الكاملة على الاحداث، خاصة بالنسبة لمواقف القوى المعتدلة التي قدمت التنازلات والاقتراحات تلو المقترحات دون ان يتم الاستماع إليها ولا الى صوتها. انتهى التعقيب.
والحقيقة أن ما ورد في التعقيب غير دقيق؛ لأنه يتغافل عن عدد من الحقائق:
- الحقيقة الأولى: أن ما حدث في 2011م الاحتجاجات التي انطلقت في 2011 لم تكن عفوية، وإنما كانت انسياقًا وراء موجة ما سمي آنذاك بـ(الربيع العربي) والتي تم استغلاها وتوظيفها بشكل خطير لتهديد الأمن الوطني والاجتماعي، خاصة عندما تم حرفها على نحو خطير لتدمير الوحدة الاجتماعية للبلاد. هذا بغض النظر عن حقيقة ان هنالك مطالبات كانت مطروحة بقوة، ونوقش العديد منها في البرلمان وفي الصحافة وفي منتديات الجمعيات السياسية، والعديد من هذه المطالب كانت محل اجماع، وكانت السلطة تعمل على الاستجابة اليها وفقًا للإمكانيات المتاحة.
- الثانية: أنه واثناء الاحتجاجات التي اختلط فيها النابل بالحابل، المتطرف بالمعتدل العاقل بالمجنون، الإصلاحي بالثوري، قد خلطت بشكل دراماتيكي بين الشعارات الإصلاحية التي كان صوتها مسموعا لدى السلطة بشكل معقول، وبين الحاق أفدح الاضرار بالدولة ككيان جامع، وتعريض البلاد والعباد الى خطر داهم، كان واضحًا لا تخطئه العين المجردة، متمثلاً في المساس بالأمن والاستقرار والاستقلال، إضافة إلى التدخل الفج الأمريكي والإيراني المعلن في الشأن الوطني وفرض الاملاءات وتجنيد الجماعات وتشغيل الأبواق. فالقوى السياسية الوطنية الحقيقية تعمل على التعريف ببرامجها وترفع مطالبها وتنتقد السلطة وتكون قوة اقتراح، ولكنها لا يمكن ان تعرض كيان الدولة إلى الاهتزاز والمخاطر التي كانت محدقة بالدولة بسبب الفوضى وخلط الأوراق وإدخال العامل الخارجي في الشأن الوطني.
- الثالثة: ان القول إن السلطة لم تكن مهتمة بالإصلاح وأنها لم تكن تستمع للمطالب ولا تستجيب للحوار قول فيه شطط ومجانبة لحقائق الواقع والتاريخ، فقبل الاحتجاجات كان الإصلاح قائما - ولو بوتيرة بطيئة - ولكنه كان حقيقة قائمة، وكان هنالك برلمان منتخب فعال، يحقق إنجازات على الأرض، ويطرح قضايا وطنية تهم الناس جميعا، وكانت النزعات الطائفية قد بدأت تتراجع، وكانت هنالك جمعيات سياسية فاعلة، وكان الوضع الاقتصادي يتحسن، والمواطنون يحققون مكتسبات اجتماعية واقتصادية ملموسة، وعليه لم نجد حقيقة هنالك ما يستدعي قيام هذه (الثورة) العاصفة التي ارجعت الأمور الى الوراء، وألحقت أفدح الاضرار بالبلاد على جميع المستويات. كما ان الذي يدعي بانه لم يحدث أي جهد لتجاوز الازمة، نحيله إلى وقائع معلومة ولا خلاف عليها، مثل تشكيل لجنة تقصي الحقائق وتوصياتها، وما رافق ذلك من قرارات وإجراءات واصلاحات، كما لا يمكن تجاهل حوار التوافق الوطني الأول والذي انتهى إلى التوصية بالعديد من الإصلاحات التي تم تبنيها من قبل السلطة وتنفيذها، إضافة الى الحوار الوطني اللاحق والذي استمر لعدة أشهر من دون تقدم مذكور حتى في الاتفاق على جدول أعمال مشترك، لان تلك القوى كانت مصرة على الدوران في حلقة المناورة السياسية، بدلاً من التقدم نحو حلول الوسط، ولو بشكل تدريجي، وانتهى الحوار بانسحابها وبالتالي تحمل مسؤولية إفشال هذا الحوار.
- الرابعة: نعم نتفق او نختلف حول التفاصيل والمسؤوليات لكن لا يمكن ان نتجاهل ان القوى المعارضة قد أضاعت فرصًا كبيرة كانت متاحة أمامها لطي ملف الازمة او الحد من تداعياتها على الأقل بالتقدم نحو حلول وسط كان يمكن ان تشكل بداية جديدة للدفع نحو المزيد من الإصلاحات، كان يمكن النقاش حولها مع السلطة ومع بقية قوى المجتمع السياسي، فأهدرت بذلك التصرف الفرص تلو الفرص وفضلت المواجهة الشاملة.
- الخامسة: من الطبيعي لما يكون كيان الدولة مهددًا أن تتقدم أولويات الامن على الديمقراطية نفسها، بل حتى على الحرية، فالدول الديمقراطية تلجأ الى اعلان الطوارئ وتعليق العمل بالقوانين وبالحقوق والحريات عندما يتعرض امنها الوطني للخطر. ولذلك فالعديد من الإجراءات التي اتخذتها السلطة لمواجهة الفوضى هي نتيجة وليست مقدمة وليست بالتالي سببًا، والدليل على ذلك ان السلطة قد تعاملت مع التعدي على الحياة العامة واحتلال الشوارع والساحات وقطع الطرقات بالكثير من الصبر والاناة في البداية، ولكن حجم الاستفزاز والتجاوز قد تجاوز الحدود وبات يستهزئ من الدولة نفسها ويستخف بها.
في الخلاصة، ومن دون أن ننكأ الجروح والعودة الى المربع الأول، ومن دون الوقوع في خانة التبرير والتبرير المضاد، يجب الإقرار بأن هنالك أخطاء عديدة ارتكبت من جميع الاطراف، وأنه من الحكمة والواقعية الإقرار بتلك الأخطاء والتقدم الى لحظة تجاوزها، والالتقاء عند نقطة التوافق الوطني، عند النقطة التي تجمع الجميع، ليس السلطة والمعارضة فقط، مثلما كانت تطالب به المعارضة، وإنما بين جميع مكونات المجتمع، والمجتمع السياسي جزء منه، والتوقف عن التحريض ضد الدولة والاستخفاف بالأمن الوطني والاقرار بالثوابت الجامعة كنقطة ارتكاز للجميع، والتوقف أخيرًا عن دمج الخارج في الداخل. وهذا امر ممكن، ويمكن ان يكون نقطة البداية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها