النسخة الورقية
العدد 11089 الإثنين 19 أغسطس 2019 الموافق 18 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42AM

كتاب الايام

كتب لعمران.. عمران!!

رابط مختصر
العدد 10008 الجمعة 2 سبتمبر 2016 الموافق 30 ذي القعدة 1437

 في الوقت الذي نشاهد فيه، أو نتوقع، أن أطفال العالم يركبون باصاتهم مع طالع كل صبح ذاهبين إلى مدارسهم، وعائدين في الإياب إلى أحضان ذويهم يستمتعون بدفئهم، ويلعبون في ما تيسر لهم من لعب، فإن نظام بشار الأسد أراد أن نشاهد أطفال سوريا في صورة مغايرة، أراد أن نشاهدهم في نشرات أخبار كل يوم من خلال عدسات المصورين، والتقارير الإخبارية المتلفزة ينزفون دمًا، تقلهم سيارات، تسمى سيارات إسعاف، إلى المستشفيات، تسمى مستشفيات، لتلقي العلاج، إن وجد هناك علاج.
 عمران واحد من أطفال سوريا الذين عرضتهم نشرات الأخبار. كاد الطفل عمران أن يلقى حتفه، كما لقيه شقيقه علي بعد يوم من انتشاله من تحت أنقاض منزلهم إثر غارة جوية من الغارات التي تطلع في مهمة قصف متعمد للمدنيين. كان يفصل طفل حلب عمران عن الموت مسافة ساعة زمن كان يمكن أن يتأخر فيها المسعفون، أو أن تسوق الأقدار حجرة من متطاير الركام إلى الفتحة التي منها كان يتنفس لتسد أنفاسه، لكن شيئا من ذلك لم يحصل فقد كتب له الله عمرًا يعيشه حتى يرى ردات فعل البشر في أرجاء المعمورة. لن نسأله لأنه طفل لا يدرك اليوم ما يجري من حوله ولكن السؤال سيلازمه إلى أن يكبر ويكتشف بنفسه ماذا كانت عليه ردات فعل الناس. أما اليوم فإننا نسأل أنفسنا «كيف كانت ردات أفعالنا؟» الإجابة مخجلة حقًا.
 الصورة التي أظهرت فيها عدسات الكاميرات عمران لم تكن مصطنعة، كانت لطفل حقيقي، من لحم ودم وأحاسيس ومشاعر، صورة ملاك مذهول تتفوق في قدرة استدرارها عطف المشاهدين على قدرة أي فنان متمرس في تجسيد أدوار التراجيديا. لقد استطاع طفل حلب من خلال هذا المشهد المأساوي جذب أنظار البشر إلى معاناة الطفولة في سوريا قاطبة، لعلها تستكشف أنها فعلاً فقدت مشاعرها منذ بدء الحرب الطاحنة في هذه البلاد التي ابتليت بنظام لا هم له إلا المحافظة على السلطة حتى ولو كان ذلك على جثث أبناء سوريا جميعا. انتهاكات الطفولة لعبة قذرة لا تدركها الأنظمة الدكتاتورية كالتي استجمعتها الحرب القذرة في سوريا.
 نعم من تحت الأنقاض التي أهالتها صواريخ مجنونة تتساقط من الجو على جسده الغض بحي «القاطرجي» بحلب أنتزع الطفل عمران مذعورًا، ولكم أن تتصوروا الذعر الذي كان يسكنه وحيدًا تحت الأنقاض. لا تخطئ العين الفاحصة قراءة حجم الذهول على وجهه البئيس وهو يتحسس جسده في سيارة الإسعاف، ولعلنا نترجم هذا الذهول في شكل أسئلة يسألها نفسه مثل: «بأي ذنب أوأد؟ ما الذي اقترفته يداي لكي أنال هذا العقاب الأليم؟ هل ذنبي أني ولدت عام انطلاق الثورة؟ لكن لا مجيب، وليس لأسئلته صدى إلا في نفسه! فمثلما كان الصمت يجتاح المعمورة في مرات سابقة كثيرة ومستمرة منذ خمس سنوات، فإنه يتواصل من دون ذرة من خجل ولا قطرة من حياء».
 من لحظة انتشال عمران من تحت الأنقاض، وإيداعه سيارة الإسعاف لم يشاهد وهو يبكي، ولم ترَ نقطة دمع تنساب من عينيه. ومن المشاهد التي تداولها الإعلام وكنا نراها بعيون دامعة هي أن الطفل ببراءته الطفولية يتحسس وجهه، ويزيح الدم والغبار ليقول للعالم أنا عمران وهذا هو وجهي ببصمة النظام الدموية. فقبل لحظة التفجير كنت مختلفًا. كنت مع إخوتي، وكنا جميعًا ملتئمين في دعة في كنف والدينا، ولم نكن نعرف أن أحدًا يتقصدنا بالقتل. تأملوه جيدًا، احفظوني للتاريخ، فلعل هذه اللحظة بالذات تدلكم على من سوف يكون عمران في المستقبل. فلا تتفاجؤوا.
 فمثلما هي ثورة السوريين اليوم مستمرة، تقطع مسيرتها بثبات في منعرجات لامبالاة دولية تجاه القتل المجنون فيها، ذاهبة مسرعة لتبلغ سنتها السادسة بقوة وإصرار على تحقيق ما انفجرت من أجله، ليقاد نظام بشار الأسد إلى مصير معلومة خواتيمه... إلى حساب التاريخ وعقوباته، بصرف النظر عمن سوف ينتصر، فإن عمر طفل حلب عمران الذي أدمت صورته قلوب الملايين، وهو خارج من تحت الانقاض مضرجًا بدمائه، ذاهب أيضا ليضيف إلى عمره عمرًا. عمران ينجو من الموت بأعجوبة، والثورة ماتزال مستمرة. هذا الطفل الحلبي يتغلب على الموت ويأبى أن يحدد له عسكر بشار وميليشياته زمن عمره وإيقافه عند الخامسة. عمر الثورة من عمر طفل حلب، وسيأتي اليوم الذي يقول فيه عمران، «ولدت يوم ولدت الثورة».
 إذًا خمس سنوات عمر الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، ومثلها أيضا مرت على ميلاد عمران، والعالم بقوة دولتيه العظميين، وبالاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية والإقليمية والعربية عاجزة عن أن توجد حل وتوقف هذه الحرب. لو كان عمران في سن تؤهله لإدراك هول الفاجعة التي وجد نفسه محشورا فيها لذرف من دموع الألم الجسدي الناتج من ثقل حمل الأنقاض التي أهيلت عليه، والوجع المتسببة بها إنسانية الإنسان المتبلدة والمتجمدة عند حدود الاندهاش وفتح العينين على اتساعها من هول ما يشاهد، ما أغرق البشر جميعا في بحر العدم.
 لم تنتهِ الثورة، كما لم تستطع براميل النظام، ولا صواريخ روسيا أن تنهي حياة عمران. عمران عنوان لمرحلة سجلت تدنيا مروعا في الإحساس بإنسانية الإنسان. عمران صفعة مدوية لكل المنافقين المتاجرين بحقوق الإنسان، عمران حكاية تعاش أملاً في نصر قادم على واقع فرض على الشعب السوري، وقصة تشهد على العمالة والخيانة والدكتاتورية البشعة التي لا ترى ضيرًا في الفتك بالمستقبل الماثل في عمران وأنداده من أجل كرسي قد من جماجم الأبرياء.
 بالقدر الذي أدهشنا أن الطفل الحلبي عمران لم يتكلم، لم يبك، لم يطلب نجدة، لم يتوجع أمام من يشاهده، إلا أنك تستشف منه أنه كان يقول شيئًا واحدًا، كان يقول إن له عمرين واحدًا في خضم الثورة والحرب، والآخر سيكون بعد أن تضع الحرب أوزارها وتنتصر الثورة. عمران كم أرجو أن أراك تفرح مع ذويك بانتهاء هذه الحرب وتتحقق أماني السوريين وآمالهم في دحر الدواعش والمليشيات والإيرانيين والروس والنظام الذي يسأل عن كل هذا الضجيج الطائفي الذي تجمع في سوريا العزيزة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها