النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

لماذا يصاب اليمين بالذعر؟ «البوركيني».. زوبعة في الفنجان الفرنسي!

رابط مختصر
العدد 10006 الأربعاء 31 أغسطس 2016 الموافق 28 ذي القعدة 1437

من حسن حظ فرنسا أن مجلس الدولة قد قرر تعليق «قرار منح لبس ما يسمى بالبوركيني الذي أصدره رئيس إحدى البلديات، مستهدفًا لباس البحر للمحجبات، وذلك لأن الصورة المنقولة فضائيًا وإلكترونيًا حول رجال الشرطة الذين يلزمون امرأة على نزع البوركيني، قد أساءت لصورة فرنسا ولنظامها السياسي والاجتماعي، بل وأساءت إلى العلمانية الفرنسية ذاتها التي تعد الحريات العامة والخاصة ركنها الأساسي، حيث تحولت قضية هامشية (مثل لباس البحر للمحجبات) إلى زوبعة في فنجان الجدل الذي يعيد إلى الواجهة جدل الموقف من الإسلام ومن انتشار مظاهر ترعب قسمًا من الفرنسيين، يتم من خلالها الربط المتعمد بين الاعمال الإرهابية التي يتحمل مسؤولياتها أفراد وبين مجموعات بشرية كبيرة باتت جزءًا لا يتجزأ من بنية المجتمع الفرنسي، كما ان التبريرات الديماغوجية يحاول أصحابها إظهار أن لبس البوركيني يعد تحديًا لقيمتين أساسيتين في فرنسا، وهما تحرير المرأة والرغبة في الحياة كأمة واحدة منسجمة شكلاً ومضمونًا».
والحقيقة أنه ليس من باب الصدفة، أن يأتي حظر البوركيني في شواطئ الريفيرا الفرنسية والتي تبعد كيلومترات قليلة عن مدينة نيس، التي شهدت عملاً إرهابيًا نفذه شخص معزول، وكانت مدينة «كان» الفرنسية هي الأولى التي تفرض ذلك الحظر، والذي أكده حكم قضائي، ووفقًا للمحكمة الإدارية التي أيدت الحظر، فإنه يقع ضمن اختصاص قانون 2004، الذي يقيد ارتداء الرموز الدينية في الأماكن العامة وشرحت المحكمة قرارها قائلة: «في سياق حالة الطوارئ وبعد الهجمات الأخيرة التي نفذها متطرفون إسلاميون في فرنسا، فإن عرض الرموز الدينية بشكل واضح، وفي هذه الحالة لباس البحر البوركيني، قد يكون سببًا في خلق أو زيادة التوترات وتهديد النظام العام». في حين ان الدستور والقانون والعرف جميعها تجمع على: «أن من حق كل شخص أن يرتدي ما يروق له طالما كان ملتزمًا بالقانون، وبالتالي كل شخص من حقه أن يرتدي البوركيني إذا أراد ذلك».
قد نتفهم بوضوح كامل ودون تردد منع ارتداء النقاب الفضاء العام استنادًا الى اعتبارات أمنية وإنسانية، خاصة في بلد مثل فرنسا يمثل النقاب فيها تحديًا لفكرة الوحدة الوطنية، والتي تمثل قلب الخطاب السياسي، حيث ويرى النقاب كرمز للانعزالية، وبالنسبة للبعض يسمح بتقويض الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها الدولة الفرنسية، ولكن منع البوركيني بهذه الصورة الاستفزازية يعبر عن حالة من الفوبيا الحقيقية، مهما تعددت التبريرات الديماغوجية التي لم تقنع مجلس الدولة الفرنسي وقوى اليسار والخضر والمثقفين الفرنسيين المستنيرين، وكذلك التجمع الإسلامي الفرنسي الذي يحترم القيم الفرنسية والقوانين الفرنسية، والذي وقف ضد الإرهاب وأدانه باستمرار، خصوصًا ان هذا التجمع هو اول من دفع وما يزال يدفع ضريبة الإرهاب في فرنسا، مما يكشف عن حالة من اضطراب المزاج الذي تعيشه فرنسا، ربما قد يستمر لسنوات قادمة.
إن قرار منع البوركيني على الشواطئ الفرنسية يعد أغبى قرار يمكن ان يصدر عن أي جهة - مهما كانت الأسباب والحجج - لأنه يتوافق مع النزعة الأصولية الداعشية نفسها، التي تريد حمل الجميع على سمت واحد من اللباس او السلوك، فالأصولية واحدة مهما تعددت الوانها.
فمن الواضح أن معظم السياسيين اليمينيين في فرنسا قد أصبحوا وبدرجات متفاوتة، يستخدمون التخويف من الإسلام والمسلمين لتعبئة مؤيديهم في الحملات الانتخابية، وإضفاء المشروعية على سياساتهم العنصرية التمييزية، وهو ما فتح الباب مشرعًا أمام انتشار ثقافة وإجراءات عدائية ضد المسلمين، حيث شهدت النقاشات حول الإسلام والمسلمين في هذا البلد الذي يحتضن الملايين من المسلمين الفرنسيين وغير الفرنسيين تركيزًا على الهجمات الإرهابية وأزمة اللاجئين، وزيادة استخدام الإسلاموفوبيا في الخطاب السياسي، كما أسهمت بشكل واضح وسائل الإعلام في نشر هذا المناخ السلبي، عندما تقوم هذه الوسائل باستخدام مقولة (الخطر الإسلامي على الأمة وعلى نمط الحياة الفرنسي) لدى تعريفهم بالتجمعات المسلمة، حيث يتخلل ذلك تناقض مزعوم بين الإسلام والقيم الأوروبية، خصوصًا أمام ما يجري من تحولات في عالم الإسلام الواسع، حيث تتسارع الأحداث والصور وتتناقض المواقف ولا يستطيع الغرب عامة اتخاذ موقف فكري واضح بسبب الانطباعات المتسرعة او الأحكام المسبقة التي يصدرها السياسيون وأصحاب القرار تجاه العرب والمسلمين.
إن وسائل الإعلام الفرنسية ما زالت تخلط اليوم وبوعي بين حركة إسلامية ذات وعي جديد تريد تغيير العالم الموروث لقرون عديدة من الجهل والقمع والاستبداد وإنتاج موقف جديد معادٍ للامبريالية والتبعية والاستغلال، وبين حركة عنف وإرهاب مسلح، لا تقتصر على العالم الإسلامي ولا على الأديان التوحيدية الكبرى، فهناك حركات سياسية أصولية متطرفة عديدة، كالهندوسية والبوذية والكنفوشيوسية، وهي من أكبر الأصوليات في العالم التي ترفض كل عناصر الحضارة والمدنية المعاصرة وتحارب وتقتل باسم الدين، وتكافح بلا هوادة في إدخال «المقدس» الى عالم السياسة والاقتصاد والثقافة. في حين يسعى المسلمون داخل فرنسا (أغلبهم على الأقل) إلى تجديد المجتمع والقيم والمعايير في مواجهة عوامل التخلف والاستبداد والتبعية، في سعيهم الى الاندماج مع الحضارة الحديثة دون التنازل عن قيمهم الروحية داخل مجتمع الحداثة، مما يستدعي إعادة النظر فيما تطلقه وسائل الإعلام الفرنسية اليمينية من أحكام مسبقة عن الإسلام والمسلمين..
همس
يتساءل المستشرق الألماني فيشر عن العلاقة التي تربط اوروبا بالعالم الإسلامي وأسباب الالتباس وسوء الفهم والرؤية المتحيزة التي يحملها بعض الاوروبيين عن الإسلام؟ ويقول: إن الحضارة العربية الإسلامية قدمت الشيء الكثير لأوروبا والعالم منذ القرون الوسطى، وسعت جاهدة، مثل اوروبا، الى نشر الفكر العلمي الحر ومبادئ العدالة والتسامح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها