النسخة الورقية
العدد 11122 السبت 21 سبتمبر 2019 الموافق 22 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31PM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ندوة الوحدة الوطنية (2)

رابط مختصر
العدد 10001 الجمعة 26 أغسطس 2016 الموافق 23 ذي القعدة 1437

 تناولت في مقالي المنشور هنا يوم الجمعة الماضي ندوة عقدت في جمعية المنبر التقدمي بعنوان «الوحدة الوطنية»، وبينت قاصدًا فيه أني قد استمعت إلى وقائع هذه الندوة وشاهدتها مسجلة فيديو على الواتسآب، ولهذا كان متاحًا لي ومتيسرًا، كل الوقت، أن أتأكد مما أريد التأكد منه بالعودة إلى وقائع الندوة بمجرد ضغطة زر. هكذا فعلت وقررت كتابة جزء ثانٍ متممٍ لمقال يوم الجمعة الماضي. كنت قد قلت في ذلك المقال، من ضمن ما قلت، إن المتداخلين في هذه الندوة قد مارسوا بعضًا من النقد الذاتي ضمنًا، وإن كان نقدًا لينًا إلى أبعد الحدود، حريريًا بالكاد يستشعر ملمسه المنتقد، وقلت إن بعض المتداخلين أشاروا، أيضًا ضمنًا، إلى الممارسات الخاطئة، التي أتوها، وخاصة تلك التي انعكست سلبًا على علاقتهم بالدولة ومؤسساتها باعتبار انتمائهم إلى جمعيات سياسية مرخصة. نعم قلت ذلك، ولكن أحسب أن القول يحتاج إلى مزيد التفصيل والإيضاح، لأن حيثيات وتفاصيل جرت في هذه الندوة ينبغي تناولها ونقدها بسبب تعرضها للوحدة الوطنية، موضوع الندوة ذاته.
 مما دعاني إلى العودة للحديث في الموضوع نفسه، هو أنني قد شعرت بأنه قد فاتني أن أشير، ولو ضمنًا أو عبورًا سريعًا، إلى أن السادة المتداخلين قد افتقدوا الجرأة الكافية، من وجهة نظري، على نقد ممارسات من تحالفوا معهم إبان الدوار، وأقصد هنا التيار السياسي الإسلاموي، وهو، كما نعلم جميعًا، خليط راديكالي هجين تمكن منه العفن المذهبي الطائفي وعصف به حد النخاع، حتى كشف عن زيف كل ما قيل من كلام عن الهوية والانتماء والوعي الوطني، لتحل بدلاً من ذلك تبعية مطلقة لملالي قم، الذين لا هم لهم إلا حياكة المؤامرات والدسائس لبلادنا المسالمة. هذا الخليط ضم «الوفاق» المنحلة، وكلا من «حق» و«وفاء» و«أحرار البحرين» و«إئتلاف فبراير» غير المرخصات.
 المصارحة التي ينبغي أن نصدح بها ونصرخ بها في آذان قيادات المنبر وكل منتسبيه هي أنه لم يعد مقبولاً منهم هذا الصمت على أفعال هؤلاء الطائفيين المذهبيين تحت أي مبرر، ذلك أن الصمت في دنيا السياسة عنوان مباركة ضمنية لما سكت عنه، وضرب من ضروب الجبن السياسي لأن صاحبه يقدر أن يحسب موقفه حيادًا في مناسبات وأوقات يحبذ فيها الحياد أو تواطؤًا ومباركة وتشجيعًا في مناسبات وأوقات أخرى. ثم لا يجب أن ننسى أو نتناسى أن مصلحة الوطن ينبغي أن تسمو عما سواها من مصالح فئوية ضيقة كالتي دفعت بها في المجتمع التيارات المذهبية الحاقدة. ولهذا وجب تحديد المسافة التي نقف عليها من جماعة أساءت إلى الدولة وإلى المجتمع في آنٍ.
 قلت إنني أحببت في مقال اليوم، ألا أبتعد عما دار في تلك الندوة وسأتناول شقًا منها يتعلق بمداخلات البعض، حتى لا يضيع صدى ما قيل فيها بين من حضر، سدى، خصوصًا وأن الندوة انعقدت في ثاني أعرق بيت من بيوتات الماركسية اللينينية في منطقة الخليج العربي. ولعل من المداخلات التي استرعت انتباهي، وأردت أن ألقي الضوء عليها في هذا المقال هي تلك التي ألقاها، بعد المتحدث الرئيسي في الندوة الأستاذ غسان الشهابي مباشرة، شخص سماه مقدم الندوة «السيد جعفر». ولسائل أن يسأل، لماذا وجدت في مداخلة «السيد جعفر» ما يستحق أن يسلط الضوء عليه ومناقشته؟ وإجابتي عن ذلك أنها بدت لي مغردة بعيدًا عن مجمل ما أشار إليه الحضور من بعده، وأخشى ما أخشاه أنها كانت تعبر، في تلك اللحظة، عما يعتمر في صدور البعض، وأشدد على كلمة البعض، ولم يظهر على شفاههم. والمستغرب بحق هو أن لا أحد من المتداخلين أو من باقي الحضور تعنى، أو تجشم الخوض في ما قاله «السيد جعفر» مع أن ما قاله يشكل خطورة مجتمعية بالغة الضرر. فهل ينطبق عليهم المثل القائل «السكوت علامة الرضى!» أرجو مخلصًا أن لا تتفق رؤاهم مع ما حدث به «السيد جعفر»، لأن مؤدى ذلك تحول خطير قد يقصي المنبر بعيدًا عن قيمه وتراثه، ويوقعه في حبائل المذهبيين الطائفيين الذين لا قيم لديهم ولا إرث لهم في المجتمع البحريني، بل ولا مكانة لهم فيه.
 شخصيًا لا أعرف من هو «السيد جعفر»، وإن بدا لي من طرحه أنه من عامة الناس البسطاء، لكن حضوره ندوة بهذه الأهمية، وجرأته في طرح فكرته «الوفاقية» القائلة بأن الدولة تستهدف الطائفة الشيعية، لم يمنعني من أن أتساءل، بيني وبين نفسي، هل أن «السيد جعفر» هذا يساري الهوى والمنابت في مطلق معناها وانحداراتها، أم أنه من المنتمين إلى جمعية المنبر؟ فإذا كان من فئة اليسار فتلك مصيبة، وإذا كان من فئة المتنمين إلى جمعية المنبر فالمصيبة أعظم، لأن في ذلك دلالة قوية على أن الإعلام المذهبي التحشيدي قد تغلغل في الوسط الاجتماعي وطال حتى أعضاء من المنبر، وهم بحسب أبجديات الفكر الماركسي اللينيني أبعد ما يكون عن التجاذبات الطائفية التي تنهش جسم المجتمع. فعلاً إن هذا لمؤشر خطير وينم عن تراجع في الوعي الوطني لحساب الطائفية المقيتة، ويدفع أصحاب الرأي إلى التعجيل في بناء مراجعات نقدية تعيد إلى الفكر اليساري وطنيته التي أخشى أن تكون قد ضاعت وتاهت وسط الغوغاء الطائفية والمذهبية.
 مثلما بينت فيما سبق، أنني لا أعرف إن كان «السيد جعفر، من المنتمين إلى جمعية المنبر التقدمي أم غير منتمٍ، ولكن إذا كان منتميًا فعلاً، فإن على المنبر بقيادته الجديدة أن يبذل جهودًا استثنائية في استقصاء المدى الذي تسربت إليه خلاصة الرؤية ذات المنبت الطائفي الضيق التي طرحها السيد في الندوة، والتي ترى في السلطة السياسية وسيلة استهداف مذهبي. هذه رؤية مذلة للشعب البحريني. فعيسى قاسم الذي دحرج «السيد جعفر» اسمه في الندوة ليس معيارًا للوطنية، بل إنه مثال للوعي المتدني بالانتماء والولاء للوطن. وأتمنى أن تكون ندوة الوحدة الوطنية قد تكون قرعت الجرس ونبهت إلى أن هناك من ينبغي أن نتصدى لهم للأم النسيج الاجتماعي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها