النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

الوطن باعتباره مجرد غنيمة المحافظة على الجنات الطائفية وفراديسها الاستحواذي

رابط مختصر
العدد 9999 الأربعاء 24 أغسطس 2016 الموافق 21 ذي القعدة 1437

تنتشر في الإقليم وبقوة في وقتنا نوع من اللغة الطائفية في كافة مناحي الحياة، يغذيها بشكل دراماتيكي انتشار التطرف والفوضى العارمة، وتفكك عدد من الدول العربية التي تحولت دول المليشيات، ويغذيها إعلام طائفي غرائزي، يجر المجتمع إلى الصدام الجذري. والمصيبة الكبرى هنا أن النهج الطائفي قد نجح على ما يبدو في جر بعض القوى العلمانية والليبرالية تحت مظلته، استنادًا إلى سيطرة المجال الديني الجماعي، كما نجح في جعل كل من يخالف الأفكار والتقاليد السائدة خارجًا أو حتى كافرًا في نظر القيمين على صيانة الشؤون الطائفية، الذين غالبًا ما تكون لديهم مصالح وامتيازات معلومة يبذلون الجهد للحفاظ عليها، حيث يجري ترهيب الفرد الذي يختار طريقه عن فكر ووعي في المجالين السياسي والاجتماعي، ومن المؤسف أن تضطر بعض القوى العلمانية إلى التبرير بحجج طائفية كي تحمي نفسها من تهمة الخروج، ولكي تستعيد موقعًا ضمن الجماعة الإيمانية «كأن يحرص اليساري على إظهار نوع من التزمت الديني، لتسهيل عملية الاندراج تحت المظلة الطائفية».
إن النهج الطائفي قد أسهم وبشكل مخيف في تمزيق الوحدة الاجتماعية للمجتمعات، بل وإلى تمزيق الهوية الثقافية للشعوب، بما أدى إلى نوع من العصبية الاجتماعية المركبة والمقيتة، تعتدي على الدين وعلى الدولة وعلى العقلانية والمصلحة العامة، لتلج دهاليز اللاوطنية، فكرًا وممارسة، وذلك لأنها لا تقيم وزنًا للوطن والمواطن والمواطنة، ولا يمكن هنا القبول بالتبرير الوهمي الذي يردده البعض باعتبار الطائفية شكلاً مرحليًا للتعبير عن الوطنية، وذلك لأن الطائفية نقيض بالضرورة للوطن وللوطنية، حيث يقوم البعض وبالانتهازية السياسية والفكرية باقتناص الفرص السياسية باستغلال الحركات الطائفية، من أجل مصالحهم الشخصية، وليس من أجل مصالح الحركتين السياسية والاجتماعية ومسيرة العملية الديمقراطية الحق، ولتتحول مفاهيم السنة والشيعة والعرب وغير العرب الأصلي والمجنس، إلى قيم كاريكاتيرية يجري خداع فقراء وعمال الطوائف والقوميات المختلفة بها، وتسليم القيادات للقوى الاستغلالية المتخلفة، وليتذابح البسطاء بينهم، وهم يظنون أنهم يقدمون على الشهادة في سبيل الله والوطن والطائفة، وبذلك يعجز النظام الطائفي المستبد، عن إنتاج الحداثة وعن فهم الإسلام معًا فهمًا مستنيرًا، يكون في خدمة الحق والحرية والعدالة والمساواة بين المواطنين الأحرار.
لقد كان تشجيع الاستعمار للولاءات اللاوطنية وتحفيزه حراك المجتمع الأهلي هو سياسة ثابتة متعمدة، لبناء المؤسسات السياسية التي أقامها وفق مظلة الأفكار الطائفية، والإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، وإسناد الثقافات الخرافية والظلامية والطائفية سائدة بين الشعوب. وحتى حين نشأت الحركات التحررية الوطنية والقومية المختلفة، فإنها عملت على إعادة إنتاج الثقافة الطائفية والتخلف والجهل والتناحر، حين أضفت على الصراع الاجتماعي طابعًا غيبيًا يخفي حقيقته وجوهره الاجتماعي والاقتصادي، وبهذه الطريقة تأسست الجمعيات السياسية من بين الجماعات المذهبية المختلفة على أساس إنكار الطابع الاجتماعي للمشكلة، تعبيرًا عن النظرة السطحية والطابع الديكتاتوري لهذه الحركات، بل ان تعدي القوى الطائفية قد مسَّ حتى الدين الإسلامي ذاته، عندما يتعاملون معه بطريقة انتقائية، فيتحول إلى ما يشبه الحيازة الطائفية، وبذلك يسعون لجعل الوطن غنيمة طائفية لزعماء الطائفية، في خدمة المشروع الطائفي المتناقض جوهريًا مع المشروع الوطني. فالوطن وفق الجمعيات الطائفية هو مجرد غنيمة للتقاسم والمحاصصة الطائفية، يستفيد منها زعماء الطائفية، وعندما يستعصي عن التحول إلى مجرد غنيمة، يعود هؤلاء إلى الدعوة لتشكيل نظام المحاصصة أو تقسيم السلطة -إذا استحالت السيطرة عليها- المهم أنه لا وجود لمواطنين متساوين: إما هيمنة طائفية وإما محاصصة للحفاظ على النقاء الطائفي، وعلى مجال السيطرة الطائفية تحديدًا، ولما كانت أهداف الجماعات الطائفية لا وطنية، فهي لا يعبأ بأية آلية وطنية للعمل السياسي، وجل اهتمامها يدور حول المحافظة على الجنات الطائفية وفراديسها المادية والاستحواذية.
إن النظام المدني الديمقراطي وحده هو الذي يفسح المجال أمام صراع الأفكار والاتجاهات السياسية بشكل سلمي وديمقراطي وحر، يقوم على الحوار الفكري العقلاني، في حين أن الطائفية تضعها في إطار مقولب فتقمعها وتمنع نموها وتطورها، وقد كانت الأحداث التي عشنا بعض فصولها المؤسفة بمثابة انفجار لرؤية طائفية، وقفت وراء منع التطور الاجتماعي والسياسي التاريخي الطبيعي، وعندما بلغت الاتجاهات والأفكار الطائفية مداها، جاءت النتائج الكارثية التي أسهمت في بناء جدار الفصل الطائفي، ولذلك من المؤسف القول إنه كلما اتسعت الطائفية، صغر الوطن، ولذلك فإن البحث خارج بنية الخطاب الطائفي، يقود بالضرورة إلى أمرين اثنين:
• الأول: الحاجة إلى جمع القوى الوطنية غير الطائفية حول مشروع وطني ديمقراطي، يقوم على الثوابت الجامعة التي حُدّدت في ميثاق العمل الوطني، وما زالت محل إجماع شعبي، بما في ذلك القضايا الجوهرية للوطن والمواطن لمعالجتها ضمن رؤية جامعة، بحيث تكون فرصة لبناء أكبر ائتلاف للقوى الوطنية المعادية للطائفية ذات المصلحة في الديمقراطية والحرية والعدالة ومدنية الدولة والتقدم والمساواة بين المواطنين نساءً ورجالاً، في تناقض تام مع القوى الطائفية الظلامية المعلومة مهما حاولت التستر والمخاتلة وممارسة التمويه اللغوي والسياسي والإعلامي.
• الثاني: بناء عقلانية مضادة للطائفية شكلاً ومضمونًا، لأن العقلانية تشكل مفتاحًا لفهمها كظاهرة سلبية وترسيخ نقيضها في تربة الواقع السياسي والفكري، ومن ثم تطوير فكر مناهض للخطاب الطائفي الزاحف بقوة في السنوات الأخيرة والذي تتسع مساحاته كخطاب مخاتل يعي بالضبط ما يريد، ويعلن عن نفسه بطريقة مواربة. فالوطن ظاهرة اجتماعية - تاريخية ترتكز على أسس مادية تؤلف في جملها وبحركتها لحمة التاريخ، وبهذا المعنى، ولكن لا مجال، والحالة هذه، لأي حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات تحاول التغطية على طبيعة الطائفية وجوهرها القبيح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها