النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

تاريخنا العصي عن النقد.. التصالح مع الذاكرة التاريخية والإنسانية

رابط مختصر
العدد 9997 الإثنين 22 أغسطس 2016 الموافق 19 ذي القعدة 1437

لماذا لا يحذفون من تاريخهم فقرة واحدة؟ لا اسم ولا حدث، لا حروب ولا سلام لا هدم ولا إنشاء، لا حذف ولا إلغاء لأية لحظة من هذا التاريخ: لا اليوناني أو الجرماني ولا روماني أو البروسي أو الانجلو السكسوني. عصر الأنوار او عصر الظلمات، الثورة الصناعية، الحروب الصليبية، الفاشية والنازية؟؟؟ لماذا لا يحذفون صور البناة والزناة المؤمنين والكفرة الفاتحين والغزاة؟ من في ذلك من دمروا الأرض والحرث والنسل يذكرونهم بدم بارد، ينقلون الحقائق كما هي للأجيال الجديدة دون تغيير او تحريف او زيادة او نقصان؟ لماذا عندما تدخل أي مكتبة عامة او تجارية في أي مدينة ألمانية تجد كتب هتلر او كتب عن هتلر تزين الرفوف، فلا منع ولا إلغاء او تجاهل، مع ان الرجل دمر ألمانيا وأوروبا وتسبب في أكبر وأخطر حرب عالمية؟
عند الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ندرك ببساطة أن هذه الشعوب التي نجحت في الانتقال إلى الحداثة وبناء مجتمعات المواطنة المتساوية، أصبحت متصالحة مع ذاكرتها التاريخية والإنسانية، لا عقد ولا مرض ولا مخاوف، يقدمون الصورة كاملة غير مجتزأة: في التشكيل، في الكلمة والصورة والحجر والآثار، في المدراس والجامعات، في أسماء الشوارع والطرقات، في الحجارة والمباني، في المعالم والنصب التذكارية والمجسمات: كل أجزاء التاريخ مجمعة مثل قطع «البيزل» لا تكتمل الصورة إلا بجميع أجرائها كاملة، بترتيبها بجمالها وقبحها، بانتصاراتها وهزائمها وخياناتها وافراحها واحزانها..حتى الشوارع والطرقات والساحات يذكرون المهندس الذي صممها والمهندس الذي اشرف على انشائها ورجل الاعمال الذي مول ذلك الإنشاء.
هكذا هي الأمور عندهم: شعوب أنهت الصراعات الداخلية، وأسست للسلام المواطني، وتفرغت للبناء والتنمية والاستماع بالحياة. لا مشكلة عندهم مع التاريخ ولا مع الذاكرة، ولذلك تحييها وتتعايش معها دون عناء او خجل او وجل.. ملفات الذاكرة وضعتها فوق الطاولة درستها حللتها وأغلقتها وارتاحت.
وبالعكس من هؤلاء نكاد نكون الشعوب الوحيدة التي تعيش مفارقة مؤلمة، فبقدر ما نقدس الماضي العام ونستحضره ليحول دون معايشتنا للحاضر ودون التقدم الى الأمام الى درجة اننا نلوك هذا الماضي ليحول بيننا وبين الواقع وبيننا وبين المستقبل، بقدر ما نعبث بهذا التاريخ، وندخل عليه ما شاء الله من تحريف وانتقاء، فتخرج الصورة والكلمة والحجر والرسم الدارس من خلال فلتر الانفعال والايديولوجيا والطائفية والشوفينية مشوهة، بل عندما نسرد التاريخ نحذف منه ما نراه لا يلائمنا، وكأننا لا نريد ذكره مطلقًا. ولذلك نجد لكل مجموعة او جماعة تاريخها الخاص، او روايتها الخاصة للتاريخ، مع انه مشترك فإننا نجد له نسخًا متناقضة الى حد القطيعة!! والسبب يعود الى أمرين أساسيين على الأرجح: إننا لم ننجح الى حد الآن في بناء دولة المواطنة، الدولة المدنية الكاملة، واننا في العالم العربي، وفي كل مآزقنا كمجتمعات، ضحايا التأريخ، فنحن ثقافيًا لم نحسن قراءته، سواء القريب منه أو البعيد، أو ما كان منه يخصنا أو ما يخص الآخر. وان (مكر التأريخ) بنا، مرده اننا لم نتقن بعد، القراءة التاريخية بقواعدها المنهجية السليمة. إننا ومنذ قرون طويلة كالحة، قد تخلينا عن مهارات صياغة السؤال التاريخي، الذي يمنحنا مدخلاً لاستكشاف تاريخنا المشترك، وريادته بعدة فلسفية، لن نمتلكها دون أن تكون لنا (فلسفة تاريخ)، يزدهر في رحابها السؤال التاريخي ويتنوع، ومن دون هذه الفلسفة سيبقى سؤالنا التاريخي خجولاً أو خائفًا، وهذا يعني على مستوى الوعي، ان قداسة النص التاريخي، ستظل لعنة تشوش الماضي وتحاصر الحاضر والمستقبل، وسيظل التاريخ برمته عصيًا على النقد.
إن معالجة تاريخ أي أمة بأسلوب علمي هو من أصعب الموضوعات، لا لقلة المادة العلمية التي تعتمد على مادة أصلية، وإنما بسبب ما ساد من أفكار واعتقادات في أسلوب كتابة التاريخ ومنهجه والتعاطي مع حقائقه كما هي، حيث تحولت العديد من المقولات غير الدقيقة وغير الصحيحة بمثابة المسلمات التي لا يمكن تجاوزها، من ذلك طرائق تقسيم التاريخ إلى مراحل منتهية، ومن الأحكام النهائية القاطعة، حيث ترسخ لدى العديد من الباحثين والمشتغلين في المجال التاريخي بأن العرب كانوا يسيطرون على الدولة الإسلامية الموحدة في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، ولما انهارت الدولة المركزية وتفككت إلى دول، وصارت السلطة الفعلية بأيدي السلاطين والأمراء انتهت مرحلة المجد العربي، وعم التراجع والانحطاط، وبذلك سيطرت فكرة غريبة، وهي شطب تلك الفترة الفاصلة بين القرنين الخامس للهجرة والقرن التاسع عشر الميلادي من التاريخ العربي، بما في ذلك فترة الحكم العثماني. هذا الاضطراب، وهذه الحيرة في معالجة قضية من أهم قضايا تاريخنا من حيث استمراريته أو انقطاعه يعودان إلى أن من يكتبون تاريخنا يبحثون عن استمراريته أو انقطاعه في عوامل هامشية وثانوية، ولا يبحثون عنها حيث يجب البحث، في حين أن أية محاولة جادة لكتابة تاريخنا لا بد أن تبدأ بتحديد أي تاريخ نريد أن نكتب، أو بمعنى آخر، ماهية التاريخ وحقائقه، بما في ذلك أوجاعه وآلامه. المهم ان لا يحذف من هذا التاريخ مشهد او صورة او كلة.
همس
توجد مفارقة كبرى بين رموز النهضة في البلدان المتقدمة وفي بلداننا العربية أن رموز النهضة في الغرب هم: مصرفي يتأبط عالما يصفقان لفيلسوف أو مبدع، وكثيرًا ما تبلورت الشخصيات الثلاث في واحد، مثل ديكارت، سبينوزا.. إلخ. وأما رموز نهضتنا فهم في الغالب: تاجر يتأبط بيروقراطيًا، يصفقان لمثقف تقليدي تراثي ستاتيكي يسهم في تجميد اللحظة، وكثيرًا ما اجتمعت الشخصيات الثلاث في شخصية واحدة تحرص على شدنا الى الوراء، منفصلة عن الحاضر، مذعورة من المستقبل، وباختصار مرعوبة من دفع ضريبة الحداثة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها