النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

في العودة إلى السيرة النبوية.. فصل الصورة الرمزية في المخيال عن التاريخ

رابط مختصر
العدد 9990 الإثنين 15 أغسطس 2016 الموافق 12 ذي القعدة 1437

عدت في هذه الإجازة القصيرة التي حظيت بها، الى كتبي القديمة، فقرأت مجددًا جانبًا من السيرة النبوية لابن هشام، والتي سبق لي قراءتها اكثر من مرة، بما يدعو الى التأمل المعرفي بعيدًا عما يحمله المخيال الشعبي من لمحات وصور خيالية وحتى أنسجة خرافية، لذلك استشعر باستمرار الحاجة الماسة الى إعادة النظر في كتابة السيرة بالرغم من الجهود الكبيرة للسابقين في هذا المجال، حيث لم تحظَ أي سيرة عند العرب والمسلمين باهتمام مثل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كتب فيها المسلمون والمستشرقون، وقد تم تغطيتها بشكل واسع دراسة وبحثًا وإبداعًا، فقد كتب من المحدثين عن الرسول صلى الله عليه وسلم عشرات الكتاب، منهم طه حسين والشرقاوي ومحمد حسنين هيكل وتوفيق الحكيم وغيرهم عديدون... إلا أن المؤرخ والباحث التونسي الدكتور هشام جعيط قد ذهب بعيدًا في إعادة كتابة هذه السيرة من وجهة نظر جديدة، في كتابه «في السيرة النبوية» الصادر عن دار الطليعة، من 3 أجزاء. ولعل أهمية مثل هذا الكتاب تكمن في كونه يؤشر الى ان ثمة دائمًا مجالاً جديدًا للبحث في هذه السيرة، إضافة الى اقتراح منهج مختلف في تناول هذه السيرة. إذ تبين أن العودة إلى «كتب السيرة الإسلامية الأولى نجد ان الأسطوري قد اختلط بالتاريخي فيها، لأنها كتبت في فترة متأخرة، بعد قرن من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم». أما الدراسات الحديثة «فيعوزها المنهج العلمي لاعتمادها على مصادر السيرة وكتب التاريخ بنقائصها دون نقد أو تمحيض أو مقارنة». كما يعتبر جعيط أن المستشرقين الذين اهتموا بالسيرة بقوا عاجزين عن فهمها لأنهم كتبوا «من الخارج الفضاء الثقافي الاسلامي، فكانت دراساتهم هزيلة». وإذن ماذا قدم لنا جعيط لتجاوز هذه النقائص والإشكاليات؟
لقد اختار جعيط طريقًا جديدًا، يتمثل في الاقتصار على القرآن الكريم كمصدر وحيد لدراسة السيرة النبوية، واعتماد منهج «عقلاني تفهمي يستند إلى تاريخ الأديان المقارن وينفتح على أفق الثقافة التاريخية والانتروبولوجية والفلسفية من أجل كتابة سير أقرب ما تكون إلى الواقع التاريخي». هذا إذن هو هدف جعيط وجديده وتحديه الأكبر، إنه يحاول أن يدرس السيرة كموضوع تاريخي، بعيدًا عن الالتباسات الأيديولوجية والمخيال الشعبي، ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: هل يمكن من الناحية العلمية الاكتفاء بالقرآن الكريم كمصدر وحيد لدراسة السيرة؟ وهل ما فيه من إشارات عن الرسول صلى الله عليه وسلم كافٍ ليفي بحاجة الدارس؟
نحن نعلم أن مستشرقًا مهمًا مثل منتغمري وات، قد اعتبر ذلك أمرًا مستحيلاً إذ يحتاج الباحث – في نظره – إلى كل شيء حول السيرة من مختلف المصادر حتى يتسنى له الإلمام بالموضوع وإجراء المقارنات... أما هشام جعيط فقد واجه هذا التحدي وحاول فعل ذلك انطلاقًا من القول بأن «القرآن هو أصدق وثيقة تاريخية لدى المسلمين» وأن الاقتصار عليه هو أضمن وسيلة علمية لكتابة السيرة لأنه وثيقة رائعة لصحتها التاريخية ولمعاصرتها البعثة المحمدية أما ما جاء بعد ذلك من «سيرة وتاريخ وطبقات وحديث فمن الصعب الاعتماد عليه بنفس الدرجة من الوثوقية المطلقة». يقول جعيط: «القاعدة هي أن كل ما دون بعد مائة سنة فاقد لثقة المؤرخ الكاملة». أما القرآن الكريم فهو شهادة حية ومباشرة لا يمكن الطعن في صحتها بينما تدوين «الحديث والمغازي وكل ما يتعلق بالسيرة فلم يحصل إلا بصورة متأخرة، وهو ما أدى إلى تدخل عدة مؤثرات أيديولوجية وسياسية أساسًا إضافة إلى ما لبعد المسافة الزمنية من تأثير في الذاكرة».
إلا أنه من الواضح أيضا، بأن هشام جعيط، وهو لا يقبل التعامل من المروي الجماعي والموروث والتقليد مصدرًا تاريخيًا موثوقًا، فإنه في ذات الوقت لا ينفي أهميته الكبيرة «إذ على قاعدته تشكل التقليد الديني وتوحد الضمير الديني الجماعي». ولأن هم الباحث الرئيسي هو استجلاء الحقائق التاريخية المؤكدة فقط، لرسم صورة صحيحة وتاريخية للسيرة النبوية (وهو أمر لا تضمنه المرويات)، فإنه قد قرر الاعتماد على القرآن الكريم وحده مصدرًا ومرجعًا موثوقًا مائة في المائة. ولكن هل يكفي القرآن كمصدر؟
يجيب جعيط بالإيجاب: «نعم وحتى إذا كان القرآن لا يتضمن كل محطات سيرة الرسول، فهو يشير إلى الكبرى منها، حتى في حياته الخاصة: صفته القريشية، يتمه وفقره وغناه، تجلي الملك له، التكذيب والمعاناة، الهجرة، بدر، أحد، المنافقون، الفتح والأحداث الهامة على صعيدي النبوة والتاريخ».
ويعلق جعيط بأن كتب السيرة «لم تتناول في نهاية المطاف أكثر من هذه الأحداث أكثر مما تناوله القرآن... فهي جميعها انطلقت منه، ولكنها وشحت ما جاء فيه وكست ما يذكره بغلاف قصصي».
فبعد مناقشة موضوع الوحي وقصة غار حراء يعود جعيط إلى سورتي التكوير والنجم ليرسم صورة الوحي من منطلق تحليل علمي، رافضًا اداعات المستشرقين بنفي الوحي عن الرسول واعتبر هذا الموقف الاستشراقي «لا يليق بأهل العلم» وأكد جعيط بأن «خصوصية عملية التبليغ في التجربة المحمدية تعود إلى أن الوحي قد اتخذ فيها شكل التنزيل على القلب، فالوحي يجري داخل الضمير ومصدره الله». مشيرًا بعد ذلك إلى موقف قريش من الدعوة المحمدية ومن الرؤيا المحمدية مؤكدًا خلافًا لما يقوله المستشرقون: «فلا مرض ولا جنون في النبوة لأن الوحي كشف للحق المطلق والثابت وهو في الإسلام تعريف الله بذاته وإنذار الإنسانية باليوم الآخر عن طريق بشر مختار يدخله في عالم روحاني، لكي يرجع على الناس فيما بعد ويبلغهم هذا التكشف». موضحًا خصوصية القرآن ككتاب مقدس «فهو من بين الكتب السماوية الموحى بها الكتاب المقدس بالمعنى الدقيق للكلمة إذ هو الوحيد الذي اعتبرته العقيدة الإسلامية كلا منبثقًا كليًا عن الله في الشكل والمضمون». وعندما يتحدث عن النبوة وتفاصيلها ومراحلها يعتبر محمدًا «مجددًا للتوحيدية العتيقة». فالإسلام قد طور التوحيدية نحو روحانية أقوى وتنزيه لله عز وجل وجعل الدين الإسلامي دينًا واقعيًا إنسانيًا.
وإذا كنا نقدر لجعيط حرصه على المعرفة الصحيحة فإننا نعتقد بأن الموروث المروري الذي دون بعد مائة سنة من وفاة الرسول يظل غنيًا بالحقائق والمعلومات المنقولة بالرواية جيلاً بعد جيل، رغم ما يمكن أن يمسها من تحريف أو إضافة أو أخطاء، ومهمة المؤرخ هي أن يبحث وسط المروري عن الحقائق مميزًا إياها عن الأخطاء والخرافات والمبالغات وتدخل الأيديولوجيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها