النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

السينما والراديو والسيارة وحكاية ساحر

رابط مختصر
العدد 9987 الجمعة 12 أغسطس 2016 الموافق 9 ذي القعدة 1437

الاختراعات والآلات لها في ذاكرة الشعوب حكايات طريفة وخفيفة، نكتب عنها ليس بقصد التحليل للظواهر ولكنه مجرد استذكار بسيط.
فسرت الذاكرة أو المخيال الشعبي الأول حكاية الساحر الذي يتكلم من داخل الصندوق، وكان حديثه وكلامه العجب العجاب للناس وقتها الذين تهافتوا زارافاتٍ ووحدانا لسماع السحر والساحر «الراديو».


ولم يدر بخلدهم البسيط انهم وبعد سنوات سيتابعون ساحرًا آخر يظهر لهم بالصوت والصورة من التلفزيون، ولكن السينما وظهورها خفف من وطأة العجب من سحر التلفزيون وساحره، فقد سبقت السينما التلفزيون وتابع البحرينيون السينما منذ العام 1922 بحسب صديقنا الدكتور منصور سرحان في ندوة له نشرت جزءًا منها «الأيام» حيث ذكر سرحان «كان العرض صامتًا بالابيض والاسود وفي موقع شيّد من سعف النخيل في موقع مبنى المحكمة السابق، إذ كان محمود الساعاتي هو أول من جلب هذه السينما وضمت 30 مقعدًا وبيعت التذاكر بآنتين فقط اي لا يتعدى سعر التذكرة 15 فلسًا.


بالطبع البحرين كانت سباقةً بين دول المنطقة في التعرف على «ساحر» السينما في وقت مبكرٍ نسبيًا وهي كذلك مع اجهزة وآلات كثيرة كالسيارة التي يروي الاستاذ تركي الدخيل في مقالٍ له بالشرق الاوسط عن معاصيري الملك الراحل عبدالعزيز بن سعود رحمة الله عليه كيف خافوا عليه خوفًا عظيمًا وهو يصعد الى السيارة لتنطلق به حيث ظنوا ان «الساحر» سيختطف ملكهم ولن يعود به.


هكذا كانت البساطة ولعلي استعيد هنا حكاية امرأة شعبية بسيطة من دولة شقيقة زارتنا وشاهدت التلفزيون لأول مرةٍ في حياتها في ستينات القرن الماضي وكيف «تغشت» حين خرج المذيع السعودي من محطة أرامكو آنذاك ليعلن بدء فقرة جديدة، فما كان منها إلا أسدلت نقابها على وجهها كي لا يراها وما كان منا نحن الصغار وقتها إلا ان نضحك ونروي حكايتها.


وكعادة الشعوب في كل مكان وفي كل مراحل تاريخها الأول حين تعجز عن التفسير العلمي تلجأ للخرافة، ويقفز السحر والساحر الى ذاكرتها التي تحتفظ بحكايات ورويات وسرديات طويلة عن السحر والسحرة وعن قدرتهم العجائبية على صنع اشياء تفوق الخيال البشري.


وهكذا استقبلوا السيارة والراديو والتلفزيون والسينما بذاكرة الساحر وسحره والخوف مما قد تحمل من آثاره وألعابه وتدابيره ضد الإنسان، فخاصم وقاطع البعض منهم هذه الاجهزة والآلات لفترة حتى اطمأن لها فركبها والخوف يعتريه ثم اعتاد استخدامها.


ولو أنهم قد «لحقوا» على وسائل الاتصال الحديثة وأجهزتها العجيبة لاعترتهم حالة اخرى قد يعجز ساحرهم المختبئ في وجدانهم عن تفسيرها وقد يهرب منها قبلهم، ولكل زمان حكاياته وغرائبه.
فلقد كانوا يعتقدون وهم الأميون ان كثرة القراءة والاستغراق في الكتب تصيب الانسان بمس، وكم قال لنا كبار السن في تفسيرهم لظاهرة اختلال عقل «فلان» في الفريج بأن كثرة القراءة اوصلته وقادته الى «الجنون» وهو التعبير السائد يومها.


وتناقل الخلف عن السلف هذا الوهم لفترة ليست بالقصيرة ورددوه بثقة وقناعة، فقد يتغير سلوك الناس من «شيء» آلي أو من جهاز لكن آخر ما يتغير هو نمط تفكيرهم وثقافتهم المتوارثة فهي راسخة في الاعماق بقوة ومتجذرة في الوجدان.


وكم هو محظوظ جيل الاحفاد وهم يتلاعبون نقرًا على اجهزة التواصل المعقدة دون «خوف» من سحر الساحر، فما بين اصابعهم أكبر سحرًا واقدر فعلاً على ان يكون ساحر العصر والزمان والمكان، حتى يأتي «ساحر» آخر فيحتل مكانه ويأخذ زمانه وكان الله في العون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها