النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الوحدة الوطنية لن تستأذن أحدًا

رابط مختصر
العدد 9986 الخميس 11 أغسطس 2016 الموافق 8 ذي القعدة 1437

ربما لو أرادت إحدى المؤسسات العربية أو المهتمة بشؤون المنطقة العربية أن تجري إحصاء لأكثر التعابير تكرارًا في الأدب السياسي العربي المعاصر، لوجدت، وبسهولة، أن تعبير «الوحدة الوطنية» وما هو متفرع منه أو مشتق من جذره هو الأكثر حضورًا، وأعلى نسبة في التكرار في تلك الكتابات العربية، خاصة إذا ما اختيرت العينة الإحصائية من أدبيات القوى السياسية المعاصرة، بما فيها تلك التي نجحت في الوصول لاستلام السلطة، سواء عبر انقلابات عسكرية، أو من خلال انتفاضات شعبية. رغم ذلك، وإذا ما وسعت تلك المؤسسات من دائرة مسحها، وحاولت أن تحصي ما هي المطالب الأكثر تحقيقًا في تلك العينة، فسوف تصاب بالدهشة حين تكتشف أن «الوحدة الوطنية» تقبع في أسفل سلم تلك النسب. وهو أمر يبدو متناقضًا لكنه حقيقة واقعة.
ولمعرفة الأسباب الكامنة وراء تلك الظاهرة العربية غير الطبيعية في تاريخ تطور الشعوب، وخاصة تلك التي نادت قواها السياسية بمشروعات «الوحدة الوطنية»، ينبغي بداية تشخيص الأسباب والعوامل التي تقود شعب ما نحو الوصول إلى شكل من أشكال «الوحدة الوطنية».
أول تلك الأسباب والعوامل هو مستوى نضج، ودرجة وعي القوى المجتمعية ووصوله إلى حد من الإدراك السياسي الراقي الذي يكتشف ان تطور المجتمع رهن، قبل أي شيء آخر، بقيام الوحدة الوطنية، التي في غيابها يستحيل تحقيق الأهداف الوطنية، دون تشويه لمساراتها، او مسخ لجوهرها.
أما ثانيها فهو تحول ذلك الوعي من حالته الإدراكية المجردة إلى برنامج عمل ملموس، وقابل للتطبيق، وله حظ من الانتشار في صفوف المواطنين، بدلاً من أسره في عقول حفنة من المثقفين المحصور تأثيرهم في نطاق ضيق، لا يمتلك مقومات المواجهة المطلوبة للمشروعات المضادة. هذه الحالة الإدراكية التي نتحدث عنها يفضل أن تقف وراءها كتلة اجتماعية كبيرة، أو تروج لها شخصية قيادية تمتلك المواصفات الكاريزمية التي تؤهلها لإنجاز مثل هذه المهمة المعقدة والمتعددة الأوجه.
وثالث تلك العوامل هو خوف القوى الانتهازية والمتسلقة التي نجحت في تبوؤ مراكز قيادية في العمل السياسي، وتمكنت من تصدر المشهد السياسي، من انكشاف أمرها، ومن ثم تعرضها لحراب القوى الجادة المالكة لبرامج الوحدة الوطنية التي تشكل سياجًا حاميًا يصد برامج تلك القوى الانتهازية، ويصون حمى برامج القوى الوطنية الصادقة والجادة التي تقف وراءها.
وإذا ما حاولنا تطبيق ذلك على المستوى العربي، فسوف نجد أن أكثر العوامل حضورًا هو تدني الوعي السيواجتماعي إلى درجة لم يرق بعد إلى المستوى الوطني، فهو ما يزال يحب عند المستوى القبلي أو الطائفي، وفي الحالات الأفضل الفئوي. هذا التدني الذي نتحدث عنه غير محصور في القوى الاجتماعية العادية، بل ينخر أيضا وعي وإدراك الانتلجنسيا السياسية العربية التي يفترض أن تقع على عاتقها مهمة التغيير السياسي من خلال تجسيد «الوحدة العربية». ولا داعي لأن نسوق الأمثلة التي تدلل على ذلك الوعي السياسي المتدني لدى المثقف السياسي العربي، ففي الحرب الأهلية اللبنانية التي انفجرت في العام 1975 الكثير من الشواهد والاثباتات.
ثاني تلك العوامل، هو تصدر المشهد السياسي العربي قوى، تتضارب مصالحها السياسية، بل وحتى الاقتصادية، يشكل مباشر وعنيف، مع أي مشروع سياسي، أو حتى اقتصادي، يقوم على الوحدة الوطنية. فمثل هذا المشروع يهز ممالك تلك القوى من الجذور، ويهدد نفوذها الطائفي أو القبلي، أو الفئوي من الداخل. ومن ثم فهي لا تخشى من أن تلوك، دون ان تمضغ الترويج لمشروعات الوحدة الوطنية، لكنها لا تتردد في التآمر عليها بل وحتى اجهاضها في المهد كي لا تمس مصالحها المتصادمة مع أي مشروع يقوم على الوحدة الوطنية. لذلك لا ينبغي أن نستغرب اكتظاظ برامج تلك القوى السياسية، دون أن تتحول إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع.
هذا على المستوى الذاتي، أما على المستوى الموضوعي، فليس هناك من عامل أقوى من تعرض الدولة أو المجتمع لخطر خارجي يهدد وجوده أي منهما، وينذر بتقويض مقوماتهما الوطنية. هذا الخطر الخارجي يكون دولة أخرى في حال الحديث مقتصر على الفضاء السياسي، لكنه يمكن أن يكون كارثة طبيعية عند اتساع نطاق المعالجة كي تشمل العناصر الأخرى غير السياسية. هذا العامل الذي تتفرد به المنطقة العربية هو من اهم العوامل هدما للوحدة الوطنية. ذلك أن درجة تدخل القوى الخارجية، إقليمية أو عالمية في الشأن الداخلي العربي في غاية الشدة، وهو ما يصطدم بشكل مباشر وعنيف مع أي مشروع سياسي ينطلق من الوحدة الوطنية، ويستمد قوة حركته من عناصرها. وضاعف من درجة هذا التدخل وعزز من أشكاله، اكتشاف سلعة لا يمكن لسوقها إلا أن تكون عالمية، وهي النفط، الأمر الذي يفتح شهية تلك القوى الخارجية، ويدفعها نحو المزيد من التدخل القادر على تقطيع اوصال أي مجتمع من أجل إضعافه والسيطرة على ثرواته.
تأسيسا على ذلك، من الطبيعي، والمنطقة العربية تعيش مخاضات عسيرة، تبشر بولادات تنشر التفاؤل، أن يستمر الحديث عن ضرورة الوصول إلى شكل من أشكال العمل الوطني المشترك الذي يمكن ان يقود إلى هيكل من هياكل الوحدة الوطنية المؤثر إيجابيًا.
وكي يصل المجتمع العربي إلى تلك الحالة المطلوبة، على الجميع التحلي بالصبر، والتمتع بالرؤية المستقبلية البعيدة المدى. فليس في تاريخ الشعوب من حالة نالت فيها تلك الشعوب مطالبها بشكل سهل، ودون تضحيات، وبالسرعة التي يحلم بها البعض.
لكن التغيير قادم ولن يستأذن أحدًا، بما في ذلك مشروعات الوحدة الوطنية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها