النسخة الورقية
العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

أساتذة السفن وقلاليف الخشب

رابط مختصر
العدد 9985 الأربعاء 10 أغسطس 2016 الموافق 7 ذي القعدة 1437

لا تزال مهنة القلافة تتنفس هواء البحر على سواحل وشواطئ البحرين رغم الحديث عنها بأنها قد اندثرت وتلاشت وأصبحت أثرًا بعد عين، بل إن البعض يراهن على أنها تحولت إلى مهنة صناعة التذكارات الخشبية ومجسمات الزينة في المنازل وبعض المحلات لتؤرخ لفترة زمنية ماضية، والحقيقة أنها لا تزال قابعة في أماكنها تتحدى التطور والحداثة والصناعات الغربية التي تستهدف الأصالة والتاريخ في صناعة السفن.
مهنة صناعة السفن وبناء المراكب الخشبية والتي تعرف بـ (القلافة)، سواء أكانت الشرعية أو ذات المحركات الآلية تخضع لعملية هندسية دقيقة في بناء السفن، لو أخطأ القلاف في مسألة بسيطة في العملية التي تستغرق أشهرًا فإنه يخسر كل جهده منذ اليوم الأول لتدشينها وإنزالها في البحر!! فيتم بناء تلك السفن من الأخشاب المستوردة (الساج) من الهند، والمسامير وتسمى (أبو فلسة)، والخيوط القطنية وتسمى (الفتيل)، وذلك لسد الفراغات بين الأخشاب بعد رصها، ويتم استخدام زيت السمسم لتسهيل إدخالها بين الألواح الخشبية، ويتم الاستعانة بالحبال الكبيرة المصنوعة من (ليف) الأشجار، ويتم دهن أسفل السفن بعد الانتهاء منها بدهن (الودج) وهو بودرة النورة يخلط مع شحم الغنم، وذلك لتقليل امتصاص الخشب للماء وحمايته من سوس الخشب، ويتم استخدام مجموعة من الأدوات لصناعة السفن ومنها المطرقة والفأس والمنشار والرندة لتسوية الخشب، والمسن والمجدع الذي يستخدم لعمل الثقوب في الخشب لإدخال المسامير، وكذلك يستخدم المنقر لحشو الفراغات بالفتيل، والمقشرة وهي آلة لتنظيف جوانب السفينة.
إن هذه المهنة (القلافة) اشتهرت بها دول الخليج العربي وساحل عمان والهند وأفريقيا منذ آلاف السنين، فكانت السفن الخشبية لصيد اللؤلؤ والأسماك والنقل البحري والتبادل التجاري، ويُعرف العاملون في صناعتها بالقلاليف أو القلاف، ويترأس فريق العمل (الأستاذ) وهو الرئيس أو المشرف عليهم، وأكثر من 15 عاملاً مساعدًا، والأستاذ هو مهندس السفينة الذي اكتسب خبرته من الممارسة الطويلة في المهنة، ومما اكتسبه من السابقين في هذه المهنة، فيتم بناء الكثير من السفن الخشبية ومنها البغلة والجالبوت والبوم والبقارة والسنبوك والبتيل والبلم والشوعي والهوري وغيرها كثير، ولا تزال تشاهد على سواحل البحرين.
من المؤسف أن الكثير من القلاليف قد هجر المهنة وذلك لتدني الأجور في صناعتها رغم المشقة العالية، وكذلك دخول (الفايبر جلاس) في صناعتها، لتتوارى تلك المهنة ويهجرها أهلها، حتى لم يتبقَ منهم إلا القليل، ويحدثني القلاف أنور محمد نور حمد عبدالله وهو (أستاذ) في بناء السفن الخشبية، ويعرف بـ (سفير القلاليف) وذلك لخبرته الطويلة في القلافة، والسفر إلى عدة دول خليجية للمساهمة في نشر تلك المهنة التي أوشكت على الاندثار، عن أبرز القلاليف في البحرين ومنهم: محمد سلمان بودندن وعبدالله بحر وسعود عبدالعزيز المسامح وحسين بوحمد وياقوت محبوب الملقب (بو يوسف) وأحمد العريفي وعيال القوتي، وبالمنامة والنعيم هناك قلاليف كبار مثل مكي عبدالنبي وعبدالأمير وعيال بوعلي والتيتون وغيرهم كثير ممن لم تسعفه الذاكرة لذكرهم. ومن الذكريات التي يحتفظ بها الأستاذ أنور محمد نور، الذي أخذ هذه المهنة عن والده، هي في حال الانتهاء من بناء السفن الخشبية فإن الأهالي والبحارة يتعاونون في إنزالها إلى البحر، وهي عملية صعبة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، ولكن ما أن تنزل إلى البحر حتى يهلل ويكبر الأهالي بهذا الإنجاز الكبير بعد عملية (الفزعة) التي يعرف بها أبناء البحرين قاطبة. وللأمانة فإن هذه المهنة اليوم أصبحت في خطر بعد أن ظهرت سفن (الفايبر جلاس)، واختفى الأساتذة والقلاليف، وإن كان الأمل في استمرارها والمحافظة عليها كونها جزءًا من تاريخ البحرين، من هنا فإن الدعوة للمسؤولين بالنظر إلى هذه المهنة البحرية المهمة، فهناك الكثير من الدول من تحاول أن تستنسخ هذه المهنة لديها لكونها من التاريخ وجزءًا من التراث، فهناك القليل من حرفيي هذه المهنة ممن هم على استعداد لتدريب الشباب عليها من أجل المحافظة على هذا الموروث البحري الجميل!!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها