النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

العودة إلى المنابع واستعادة الوعي

رابط مختصر
العدد 9985 الأربعاء 10 أغسطس 2016 الموافق 7 ذي القعدة 1437

عند مراجعة الأدبيات السياسية الوطنية يمكن التوقف عند أهم الثوابت الجامعة التي تشكل القوة الدافعة لمرحلة جديدة من الإصلاح السياسي، نجد المرتكزات التي جاء بها ميثاق العمل الوطني ما تزال قائمة ومحل اجماع وطني، لأنها الجامعة لشعب البحرين بمختلف أطيافه وتوجهاته السياسية، فنحن إزاءه لا نضيف جديدًا، وحتى ما درجت بعض الأحزاب على نشره في وثائقها لا يخرج في جوهره عن ذلك، وإن أي مقارنة موضوعية فاحصة بين الثوابت والمبادئ التي تضمنها الميثاق وبعض المبادئ التي نصت عليها وثائق الجمعيات السياسية تفضي إلى القول بأن الميثاق اشمل والوثائق لا تعدو ان تكون جزءًا يسيرًا منه.. فقد شكل الميثاق نقطة تحول مهمة في تاريخ البلد، بما مثله من تجديد لشرعية الحكم، وتطوير مبادراته المستجيبة للتطلعات الشعبية في حياة سياسية متقدمة تتناسب والنمو الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق في المراحل السابقة، وقد مكَّن الميثاق من حل العديد من الإشكالات التي كانت قائمة، ومنها: مشاركة المرأة في الحياة السياسية في مبادرة جريئة، وتحديد طبيعة المشاركة الشعبية من خلال بناء العلاقة المتوازنة بين المجلس التشريعي المنتخب والمجلس المعين. بما مكن من تعزيز القيم الديمقراطية وإرساء نهج المشاركة السياسية، وفي مقدمتها التعددية السياسية والتسامح وسيادة القانون وتعزيز مبادئ الفصل والتوازن بين السلطات، إضافة إلى حماية حقوق الإنسان، وتأمين كل طيف يعبر عن رأي سياسي بفرصة منصفة للتنافس عبر صناديق الاقتراع للتعبير عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
ولا شك أن أية مراجعة موضوعية للمبادئ والثوابت الواردة في الميثاق تجعل أي بحث عن جديد في هذا السياق عملية غير مجدية، بل وقد تكون في إيهامها مضللة في بعض أوجهها، إلا إذا كان القصد النكوص عن بعض هذه الثوابت التي أجمع عليها الشعب، لبناء شرعيات جديدة، فالميثاق تضمن المبادئ الأساسية لنظام الحكم ومباشرة الحقوق السياسية وآليات الرقابة على العمل الحكومي وضمان الحريات العامة والشخصية وحرية التعبير، وتنظيم الأسرة، والنشاط المدني، والنظام الاقتصادي، والأمن الوطني... ولكن عند متابعة الأحداث والتطورات التي شهدتها الساحة السياسية في البحرين منذ فبراير 2011م، يتضح أن مطالب المعارضة السياسية بـ «عقد اجتماعي جديد» كان أول قفز حقيقي فوق الميثاق، وما تضمنه من قيم وثوابت لا يمكن المزايدة عليها، وما يتمتع به من شرعية الإجماع الوطني الذي لا يمكن تجاوزه وتجاهله. وإذا كانت المبادئ والثوابت التي تضمنها الميثاق ما تزال تشكل منطقة التوافق الوطني الثابتة والأكيدة والتي لا يمكن ولا يجب الإطاحة بها، ولكن في ضوء المعطيات الواقعية المرتبطة بتحولات الأزمة السياسية - الأمنية التي عاشتها وما تزال تعيش تداعياتها البلاد، فإن أخطر ما تعو إليه هذه المعارضة هو طي صفحة الميثاق وإلغاء أي تأثير له على الأرض.
إن الجمود السياسي لا يمكن أن يقود إلى الحل الذي يجتمع حوله الجميع، ولذلك فإن العودة الى الحوار السياسي مهم، لتستعيد البحرين الوئام، حيث بات واضحًا لكل من تهمه مصلحة البلد أن الأمور لن تستقيم دون تطبيع للحياة السياسية بكافة أبعادها، ولن يحدث التطبيع الكامل قبل المراجعة والتقييم والمحاسبة واستخلاص الدروس، مما حدث، وهذا الأمر يحتاج إلى فضاءات مفتوحة من الحوار العام، الحل الذي من شأنه أن يستوعب حالة الشكوك والاتهامات المتبادلة. وهذا يستدعي اتخاذ قرارات جريئة من كافة الأطراف، وخطوات لتطبيع العلاقة، وهو أمر لن يحدث بدون الجلوس إلى طاولة الحوار مجددا والإقرار أن سقف كل موقف ومرجعه هو الثوابت ومصلحة الوطن، بما يعني التوقف عن الأعمال والأفعال والأقوال غير المنضبطة وغير المقيدة بالقانون والدستور وإخراج الخارج من اللعبة السياسية (خاصة الولايات المتحدة الامريكية وإيران أساسي البلاء كل البلاء).
إن أي حوار جديد يجب أن تبنى قواعده وشروطه على أساس المصلحة الوطنية دون غيرها ودون ضغوط خارجية أو وصاية أو تدخل من أحد، والتمسك بأسس التعايش الوطني في ظل الثوابت المستقرة، ورفض الوصاية الخارجية مهما كان مأتاها وأهدافها. ولا يمكن استكمال متطلبات الحوار بسقفه الوطني وبطموحه اللامحدود دون التوقف عن النظرة الاستعلائية والإقصائية، إذ بينت التجربة انه ليس بوسع أحد أن يستبعد أي طرف وطني من المعادلة السياسية، بما يعني الاعتراف بوجود وجهات نظر مختلفة ومتنوعة، يجب أن تحترم ويستمع إليها، فلا يمكن تصور أي حوار وطني تستبعد منه المكونات السياسية- الاجتماعية الرئيسية، مثلما لا نستطيع ان نتخيل أي حل سياسي جاد وقابل للاستمرار دون مشاركة فاعلة ومتوازنة لكافة المكونات الرئيسية في الحراك السياسي الوطني، وهذا يعني أن المطالب الإصلاحية التي يتم التوافق بشأنها لا يمكن أن تكون مطالب للمعارضة فقط، بل يجب أن تكون مطالب وطنية بالفعل، حولها إجماع او شبه إجماع على الأقل. ويبقى بعد ذلك التأكيد على ضرورة أن يشمل أي حل سياسي تحرير المجتمع والسياسة من هيمنة النزعة الطائفية وأطروحاتها التي تجلت لنا خلال السنوات القليلة الماضية، مثل أن تحقيق المساواة بين الطوائف في إطار الدولة هو الطريق الوحيد لبناء الديمقراطية، لأن اعتماد منطق التوزيع الطائفي في كافة جوانب الحياة لا يؤدي إلى تحقيق الديمقراطية بل إلى قتلها، فالديمقراطية الحقيقة مساواة بين أفراد، في حين أن الطائفية تعد صارخ على مجال نشاط الدولة ومسؤولياتها، فهي لا تتحقق إلا في مجتمع يتساوى أفراده أمام القانون، والشرط الضروري لهذه المساواة هو إلغاء الطائفية في المجتمع وفي التنظيم السياسي إذ لا يمكن في المجتمع الديمقراطي أن ينظر إلى الفرد كعضو في الطائفة، بل يكون انتماؤه للدولة (كمواطن فقط).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها