النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حوارات صيفية.. البحــــث عن عولمـــــة بأفـــــق إنســـاني..

رابط مختصر
العدد 9983 الإثنين 8 أغسطس 2016 الموافق 5 ذي القعدة 1437

مواصلة لحوارنا السابق حول العنف المعولم ومسؤوليتنا كعرب على ما يحدث، قال الصديق: إن العولمة لا تنقل إلينا القيم التي أسست لنهضتها: مثل الديمقراطية والعلمانية، وقيم المجتمع المدني، والمواطنة، بل هي تقصفنا بالتفاهة والعنف العبثي والتسطح الفكري والاستهلاك القاتل للإنسانية، يحدث ذلك كله باسم العولمة الثقافية. فالعنف الثقافي هنا «عدوان ثقافي»، لا حوار حضارات، وتكريس للتفوق ولمنهج الإبادة الثقافية والبشرية. فما يقدم لنا على أنه نظام للسوق العالمية يهدف إلى ترسيخ فكرة الخضوع لضرورات الإنتاجية بالمعايير الغربية، وكأن الاقتصاد ليس إلا علمًا للأشياء، علمًا للتنمية الاقتصادية فحسب، ويبيع لنا إعلام العولمة الجنس العنيف والعنف الجنسي بأبخس الأسعار، وبنفس السهولة التي يبيع بها أهم أخبار المجاعات والحروب. وإلى جانب العنف المباشر، تقوم ثقافة العنف العولمي بتكريس مفاهيم البطولة والخلاص الفردي: «اقتل، واضرب، ومزق، وانفد بجلدك!» عنف فردي يكرسه عنف جمعي، ويركب فوقه عنف كوني باسم العولمة والأمركة.
قلت للصديق: لا اختلف معك في التشخيص ولكن العولمة ذاتها يمكن أن تكون أفقًا كبيرًا لدخولنا العالم من بابه الواسع والاستفادة منه، تمامًا مثلما استفاد منه الكوريون واليابانيون وغيرهم، ويذكر هنا السيد «بنيامين باربر» في كتابه «الجهاد في مواجهة عالم الماك»: «أن الثقافة تفوق في أهميتها كل أنواع الأسلحة وأن الحوار وحده قادر على بناء عولمة ذات طابع إنساني بأفق إنساني». ولا شك هنا أن الطابع الإنساني للعولمة لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال تكريس قيم إنسانية عديدة، في مقدمتها التضامن الإنساني ومحاربة الفقر والظلم والهيمنة، وتقليص الفوارق بين الشعوب على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية بوجه خاص. كما أن الحوار الذي لا بد أن تتأسس عليه كل عولمة هو الإنسانية بما هي الصورة التي موزعة على البشر بالتساوي في العالم بحضاراته المختلفة، أي التي يمكن أن تجد فيها الهوية الإنسانية ترجمتها القصوى. لذلك فإذا سلمنا بأن فعل التضامن يكرس قيمة من القيم الثقافية التي طبعت الهوية العربية الإسلامية، فإن إحياءها وتجسيدها والتعويل عليها وتفعيل دورها في المجتمع كقيمة محركة وفاعلة ثم تعميمها كمبدأ كوني يمكن التعويل عليه في الحد من ظاهرة الفقر ومن الآفات الناجمة عن اتساع الفوارق بين الشعوب الغنية والشعوب الفقيرة، ثم رفعها إلى مستوى الحق والواجب الكونيين. كل ذلك يعني أن جدل العلاقة بين ثقافتنا الذاتية الخاصة بتاريخنا وهويتنا والثقافة العالمية يعين لثقافتنا مهمة حوار يسهم في نحت صورة جديدة عن المشهد الثقافي العالمي، هذا على سبيل المثال فقط. وقد يكون تنزيل قيمة التسامح أو التضامن الإنساني - كمثال - بمنزلة القيمة المركزية ضمن رؤية للمستقبل العربي علامة على ما يجب على الفكر أن يستنبته من الإمكانات الكامنة في تراثه وتاريخه لتطويرها وفتحها على الأفاق الإنسانية وعلى العصر وعلى التعايش كشرط للوجود الانساني. ولذلك أرى أن الإقرار بقيمة التضامن ضمن الفضاء المعولم المتاح اليوم إنما هو سعي إلى تمكين ثقافتنا من التمركز بأنفس قيمها ضمن هذا العالم الجديد. ولكنه كذلك مناسبة تتاح لثقافتنا لكي تفهم أن محاورة الثقافات الأخرى تستدعي منها بالضرورة أن تستحضر ما قد تكون سهت عنه، حينا من الدهر، من صميم قيمها، مثل قيمة التسامح التي لا غنى عنها اليوم في ساحة العولمة، ولعلها باستحضارها لذلك تجد لنفسها صدى في ثقافات أخرى ليس من المستبعد أن تكون أخذت عنها مفهومها للتسامح وركبته إلى الكونية حين بقيت هي، طيلة عهود طويلة حبيسة خصوصية لا هي أصلية ولا هي ضرورية، وعليه، فإن المستقبل الذي ينتظرنا، إما أن نصنعه بأيدينا، وأن نختاره، وإلا سوف يفرض علينا في عالم يزداد تشعبًا. وفي تنافس يزداد حدة.
قال الصديق: ولكن يبدو أن أهم معالم النظام العالمي الجديد قد تحددت ضمن «مركزيات» القرار السياسي الغالب، والقوة العسكرية الرادعة، والقوة الاقتصادية المصرفة للطاقة والثروة والهيمنة الإعلامية المطوعة لكل رأي، والإنتاج الثقافي الذي يصنع الحاجة ويكيف الذوق ويسوق البضاعة، فأي مقام للحوار في سياق مثل هذه المركزيات؟
قلت: إن الحوار يقتضي في الغالب التكافؤ وهذا التكافؤ غير متوافر في الوقت الحاضر بالشكل الكافي، ولكن ذلك لا يجب ان يبعدنا عن ضرورة الاشتباك مع العالم الجديد، رغم إكراهاته العديدة، ولا شك أن ذلك يحتاج بداية الى مواجهة كل التعصبات في المجتمع، بما يحتم علينا إعادة الاعتبار لمؤسسات المجتمع المدني، فهي وحدها القادرة على مواجهة الفكر الشمولي والأصولي، وعلى محاصرة ثقافة العنف والاقصاء والانغلاق. والطريق إلى هذا كله يبقى هو الديمقراطية، التي ترفض كل طقس لا تنتجه حركة الحياة، كل فكر أو رأي تسوغ العنف، ومن دون هذه الديمقراطية، لن يتحقق شيء كبير، حيث تستمر ثقافة اللاحوار وتغيب ثقافة الاختلاف والقبول بالآخر تحت وطأة ثقافة العنف، ويصبح المجتمع مفتوحًا على الأصوليات وأشكال التعصب كافة، ويعيش في رعب العنف ويصبح السلم الاجتماعي بعيد المنال.

همس
لا أريد أن أموت وأنا نائم أو في غيبوبة
أريد أن أعرف كيف سيحتويني الموت.
ربما سنلتقي معًا في عناق محموم.
اللحظة كما هي والآخر كما هو،
وأنا كما أنا، وأنا والآخر كما نحن:
نفس التفاصيل
كشخص يستيقظ كل صباح
ليجد أنه في نفس اليوم
نفس البيجاما
نفس الإفطار
نفس الموت البطيء!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها