النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الحرب وعقدة الخواجة «تشيلكوت»!

رابط مختصر
العدد 9978 الأربعاء 3 أغسطس 2016 الموافق 29 شوال 1437

أعادنى الإعلان في الأسبوع الأسبق عن صدور تقرير لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة البريطانية، برئاسة السير «جون تشيلكوت» للبحث في الأسباب التي دفعت حكومة «توني بلير» لاتخاذ قرارها بمشاركة الإدارة الأمريكية في عملية «غزو العراق» إلى السنوات السود التي بدأت صباح يوم 2 يوليو 1990، الذي استيقظت فيه الأمة على خبر الغزو العراقي للكويت، ووصلت إلى إحدى ذراها في 9 مارس 2003 باحتلال الغزاة العراق، وإسقاط تمثال «صدام حسين» من فوق قاعدته في أكبر ميادين بغداد، لتبدأ منذ ذلك الحين، صفحة مجللة بالسواد في تاريخ الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة، لا تزال سطورها، التي يسيل منها الدم، تتوالى حتى اليوم..


وعلى عكس آخرين، فإنني لم أجد مبررًا للفرح الذي استقبل به بعض المعلقين العرب ما ورد في التقرير.. فالحقيقة الجوهرية التي انتهى إليها، وهي كذب الادعاءات الاستخباراتية بشأن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، لم تعد في حاجة إلى مزيد من التأكيد، إذ فشل الغزاة -بعد احتلالهم العراق- في الحصول على دليل واحد، يثبت صحتها، والآمال التي ناوشت هؤلاء المعلقين بأن يتخذوا من تأكيد التقرير البريطاني لها، أساسًا لمحاكمة «توني بلير» وغيره ممن شاركوا في الغزو، أمام المحكمة الجنائية الدولية، كمجرمي حرب، تصطدم بحقيقة أن اللجنة لم تكن لجنة قضائية، ولكنها كانت لجنة لتقييم القرارات السياسية التي اتخذتها الإدارة البريطانية آنذاك، بهدف الاستفادة من دروس التاريخ.


نحن إذًا أمام وثيقة تاريخية سوف تصبح واحدة من أهم مصادر التاريخ لهذه الحقبة السوداء من تاريخ الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، باعتبار ما كان.. يدعونا نشرها للأسى.. لأن مصادر هذا التاريخ تحفل بتقارير من هذا النوع، وضعتها لجان شكلتها حكومات أجنبية لتقييم سياساتها تجاه بلادنا، لعل من أشهرها تقرير «اللورد دوفرين» عن الأسباب التي أدت إلى الثورة العرابية عام 1882، وتقرير «اللورد ملنر» عن أسباب ثورة 1919، وتقرير المحدال - أي التقصير- الذي وضعته لجنة شكلتها الحكومة الإسرائيلية في أعقاب حرب 1973، لبحث مناحي التقصير التي مكنت العرب من مفاجأة إسرائيل بشن هذه الحرب، وعشرات من التقارير المماثلة أصدرتها الحكومة البريطانية أثناء فترة الانتداب على فلسطين.. وهي تقارير لا يوجد من بينها وثيقة واحدة عربية.


وفي حين عرف البريطانيون من تقرير «لجنة تشيلكوت» الأخطاء التي وقعت فيها حكومتهم، حين شاركت في غزو العراق لمجرد الحفاظ على علاقتها مع واشنطن، فإن أحدًا من العرب، لم يفكر حتى الآن في أن يشكل لجنة لتقييم الخطأ والصواب في إدارة الأزمات العربية التي لم تبدأ بحرب 1984 أو حرب 1967، ولم تنتهِ بالغزو العراقي للكويت، أو الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، وكأننا نخشى أن نعرف الأخطاء التي نقع فيها، وتقودنا - ولا تزال - إلى سلسلة من الهزائم والنكسات والنكبات، أو نحرص على تكرار هذه الأخطاء، تطبيقًا للمثل الشعبي العربي «من فات قديمه تاه»!


وحتى الآن، وعلى الرغم من الكثير الذي نشر عن كارثة الغزو العراقي للكويت، وكارثة الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، لا تزال هناك مناطق غامضة في هذا الملف، لم يكشف عنها تقرير لجنة «تشيلكوت» لأنها لا تدخل في نطاق اهتمامه، وتحتاج إلى تقرير تضعه لجنة عربية، لو فكر العرب يومًا في أن يستفيدوا من دروس الماضي، ويجيب عن أسئلة لا تزال تشغلني على امتداد ربع القرن الذي انقضى على هذا الغزو المزدوج، من بينها:


ما الأسباب التي دفعت بعض الحكومات العربية آنذاك لتأييد القرار العراقي بضم الكويت؟ وما الدوافع الحقيقية التي دفعت معظم الفصائل السياسية الراديكالية في العالم العربي إلى التورط في مباركة هذا الغزو؟ كان من بينها منظمة التحرير الفلسطينية والناصريون والقوميون العرب والشيوعيون وفصائل تيار الإسلام السياسي، وما تأثير ذلك على إصرار صدام حسين على رفض الانسحاب من الكويت، وتجاهله لكل الحلول الوسط التي عرضت عليه،

لإنهاء الخلافات التي استند إليها للقيام بهذا الغزو، وعلى أي أساس بنى سياسة نظامه خلال الأعوام الثلاثة التي فصلت بين إجباره على الجلاء عن الكويت وبين الغزو الأمريكي البريطاني لبلاده؟.. وهل يمكن تبرئته من المسؤولية عن المصير الذي انتهت إليه العراق اليوم، بصرف النظر عن أن الولايات المتحدة كانت تخطط لضرب نظامه سواء كان قد غزا الكويت أم لم يكن قد فعل ذلك.. وهي سياسة لم يكن يجهلها، ومع ذلك واصل اتخاذ الخطوات التي تعطى الذرائع للذين يتآمرون عليه، لكي يضربوا ويصفوا نظامه، وسار بقدميه نحو الفخ الذي نصبوه له.


هل هو الجهل أم الغرور، أم أنه خدع بجحافل المؤيدين، الذين خرجوا بالآلاف في عواصم عربية وأوروبية، يؤيدونه ويشجعونه، وتوهم -كما توهموا- أن مظاهراتهم تستطيع أن تكف عنه شر الذين كانوا يستدرجونه إلى الفخ؟ تلك أسئلة أتمنى أن أجد إجابة عنها، إذا ما شفينا، نحن العرب، من عقدة الخواجة التي نعانيها، والتي تدفعنا إلى تقليد الغرب في كل شيء، إلا في حرصه على أن يعرف أخطاءه، حتى لا يكررها!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها