النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

تذكارات بشعة تدعو إلى الشفقة.. نكتــة قاسـية فـي الزمـــن الركيـك

رابط مختصر
العدد 9971 الأربعاء 27 يوليو 2016 الموافق 22 شوال 1437

عندما أتجول في بعض المدن الأوروبية أكثر ما يلفت انتباهي - فضل عما فيها من جمال ونظام واحترام للقانون - تلك المحلات والدكاكين الصغيرة جدًا والتي مخطوط على واجهاتها وبضائعها التي تبيعها تاريخ بدء النشاط الذي تمارسه، فتجد محلاً لصنع وبيع الأحذية الرجالية يعود تاريخ افتتاحه الى العام 1872م وما يزال يعمل جيلاً بعد جيل، او محلاً لصنع وبيع الأجبان يعود تاريخ افتتاحه الى العام 1912م، أو محلاً لصناعة وبيع المفاتيح او المواسير او العجلات المطاطية او الأخشاب او المعجنات او الحلوى، او حتى محل تصوير فوتوغرافي يعود الى مائتي سنة، تتوارثه العائلة عبر 4 او 5 أجيال دون انقطاع وتفتخر بتاريخها وبصناعتها وتعتد بها وتجعلها ماركة او رمزًا توسم به البضائع المعدة للبيع والتصدير.
أتوقف طويلاً عند هذه اليافطات او العلامات التجارية الأهلية الصغيرة التي تمتلئ بها الأسواق القديمة والجديدة في المدن الأوروبية، والتي تعاصر وتواكب وتناطح الكنائس والقلاع والمباني الأثرية التي تعود الى مئات السنين، وفي انسجام تام معها.
هذه الظاهرة عند التوقف أمامها نجدها تؤشر الى عدد كبير من الدلالات، أبسطها العراقة والقدرة على الاستمرار والمحافظة على الأعمال والصناعات الصغيرة العائلية، وربطها بالتجارة والاستجابة الى حاجات الناس، وثانيها القدرة على شبك علاقات من الثقة والأمان عبر ثقافة الجودة والامتناع عن أي شكل من أشكال الغش والعبث والثرثرة والادعاء والاستعراض الكاذب، وثالثها القدرة على الحفر في مجرى الإبداع، جليلاً بعد جيل، كل واحد يضيف لبنة الى الذين سبقوه، هكذا نجد اليوم في تلك المدن مئات الآلاف من هذه المحلات التي تعيش منها ملايين الأسر الأوروبية.
فماذا عنا نحن؟؟؟
الوضع غريب الى درجة الكاريكاتير المحزن، ولذلك يبدو الوضع أقرب الى النكتة القاسية: نحن نقفز في الهواء الطلق، دمرنا صناعاتنا التقليدية الأصلية وحولناها إلى مجرد تذكارات بشعة غير مفيدة وغير عملية «مكركبة وحالتها حالة» تدعو الى الشفقة، وبدلاً من دكاكين صناعة الخشب والزجاج والمسابيح والمعادن ووو، والصناعات الغذائية الأصلية، تحولنا بالكامل الى محلات تجارية بشعة زجاجية يقف فيها عدد من الباعة الآسيويين يهزون برؤوسهم هزًا، تبيع جميع السلع الصينية التافهة ذات الاستخدام الواحد، تبحث عن البلد وعن روائح البلد، فلا تكاد تجدها إلا فيما ندر او بقي من العناصر الرمزية.
ترى اليوم محلاً لبيع الأحذية وبعد شهرين يغير وجهته ومالكه ليصبح محلاً لبيع السمبوسة او لبيع أغلفة الهواتف النقالة، وربما إذا ما طال به الزمن قليلاً لبضعة سنوات قد تصل الى عشرين او ثلاثين سنة لن تستغرب إذا تم هدم المحل وما جاوره، ليتحول الى بناية زجاجية تحتلها شركة اتصالات، او مجمع لبيع المواد الغذائية، وينتهي التاريخ وتبهت الروائح والألوان، ونكون غير قادرين على إكمال جيل واحد من تلك الأنشطة الصناعية او التجارية الوطنية، إلا فيما ندر.
هل يدخل هذا الأمر تحت باب التطور الطبيعي للأشياء، مثلما قد يقول البعض؟ هل هذا التطور إيجابي محترم ينبئ عن أننا نتقدم؟
الجواب بالنفي في أغلب الأحوال، لأن القصة كلها لا علاقة لها بالإبداع ولا بالحفر في مجرى الإبداع، ولا بالحفاظ على الذاكرة الوطنية ولا بالتنمية المستدامة، أو بأي شيء عضوي مستدام يرتبط بالتطور الاجتماعي ويرتبط بالهوية والشخصية الوطنية في ذات الوقت: حالة من الفوضى والقفز في الهواء وضياع الأشياء الجميلة، ولذلك لا نكاد نجد محلاً من تلك المحلات التي نجدها في المدن الأوروبية وحتى الآسيوية، إلا في حالات نادرة، الكل يلهث وراء الكسب السريع، ويركض ولم يعد معنيًا بالالتفات الى الوراء، المهم هو الكسب الحلال والحرام سيان. الكسب هو الكسب وخلاص!!!
يبدو في النهاية إننا شعوب فقدت القدرة على الحلم خارج صندوق الهاتف والسيارة والخادمة والاكسسوارات الشكلية الخشبية، والنزعات الاستهلاكية الاستعراضية الفجة، ومن فقد القدرة على الحلم فقد القدرة على الحياة وعلى البقاء في التاريخ، في النهاية.
فكم هو عدد الأشخاص البسطاء الذين بدأوا عندنا من الصفر ثم ارتفعوا، وبعد تعب وجهد وكدح ومعاناة تمكنوا من الصعود إلى قمة الهرم، فبنوا إمبراطورية صناعية أو علمية أو سينمائية أو تجارية أصيلة (وليست وكالة لبيع البضائع الأجنبية).
فما أبعدنا عن الدكاكين التي بدأت صغيرة وتحولت فيما بعد إلى تروستات ضخمة... فلا أحد عندنا، يريد أن يبدأ صغيرًا... ولا أحد يقدر على ذلك أيضا... والذين يبدأون صغارًا يظلون صغارًا... أما العمل والسهر والكدح... فالكل يعلم أنها لا تجدي لوحدها للوصول إلى القمم... أما الذين أرادوا أن يكبروا فقد فتحوا لأنفسهم أبوابًا أخرى غير هذه الأبواب ولذلك فمنتهى الحلم عند الكبير والصغير يتجسد في مورد رزق سهل... لا تعب فيه ولا تفكير، ولا اضطراب (((ا بأس))) مقابل تحقيق المكاسب الفورية، وان نكون مستعدين لتخريب كل شيء والسطو على الذاكرة الجماعية، والاستعاضة عنها بالمباني الزجاجة البشعة التي يمكن ان تنهار في رمشة عين واحدة.

همس
لا يستطيع أيٌ منا أن يقرر ماذا سيصنع، كل هذا مرهون بالأيام القادمة، ربما لن نحتاج إلى كل هذه التعاسة، لنبقى أليفين للحبر، وإهراق الكلام، لهذا تقف الكتابة على شفا احتمالين: شفا الأمل بلا حكايات ذات ندوب، أو شفا الحزن في فضاءات الألم: محمود درويش كان يتمنى أن تعود فلسطين ليهجر الشعر، فقضى مهاجرًا في الشعر، وسعدي يوسف الشاعر المغترب حتى الإدمان، حاول أن ينجو من مؤامرة الحنين، ليكتب قصائد أخرى ضارعة في التجريب، غير أن أجمل قصائده تلك التي كتبت بماء القلب الدافئ الحزين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها