النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بصراحة عن «هيكل» و«عبدالناصر»

رابط مختصر
العدد 9969 الإثنين 25 يوليو 2016 الموافق 20 شوال 1437

أعادني المجلد الأول من مجموعة المقالات التي كان يكتبها «محمد حسنين هيكل» على صفحات «الأهرام» بعنوان «بصراحة»، وقد صدر هذا الأسبوع بالعنوان نفسه عن «مركز الأهرام للنشر» إلى سنوات صباي الأولى، فما كاد يقع بين يدي حتى شرعت في إعادة قراءتها، لأكتشف أنني ما زلت أحفظ معظم عناوينها، وعبارات عديدة منها، وأتذكر بوضوح الرجفة التي اعترتني وأنا أقرؤها -مفتونًا- والأصداء الواسعة التي أثارتها في ذلك الزمان البعيد السعيد الذي وصفه شاعر العراق الراحل «محمد مهدي الجواهري» بأنه كان عظيم المجد وعظيم الأخطاء.
وخلال شهور قليلة، وعلى امتداد السنوات التي تولى خلالها موقعه، والتي وصلت إلى ستة عشر عامًا وستة شهور، بين أول أغسطس 1957 و2 فبراير 1974، استطاع «هيكل» أن يجدد شباب هذه الجريدة العريقة، التي كانت تعاني أمراض الشيخوخة والتراجع المطرد في توزيعها، أمام منافسة الصحف الشابة، حتى فكر أصحابها في بيعها، وكان اختياره لرئاسة تحريرها، هو المحاولة الأخيرة، التي لو فشلت للقيت «الأهرام» مصرعها، كما حدث لصحف صدرت في وقت مواكب لصدورها، ولما امتد بها العمر ليصل إلى 140 سنة.
كانت «الأهرام» حين تولى «هيكل» رئاسة تحريرها في الرابعة والثمانين من عمرها، وكان هو في الرابعة والثلاثين من عمره، وخلال عام واحد كان قد وضع بصمته الأساسية، وقدم نموذجًا رفيعًا لصحيفة تجمع بين الرأي والخبر، والأهم من هذا وذاك، أنه اختار أن تراهن هذه الصحيفة على تجربة ثورة 23 يوليو 1952، بعد أن اتضحت آنذاك الخطوط الرئيسية لتوجهاتها، كنموذج رائد لثورة التحرر الوطني في عصر الحرب الباردة، وبروز عبدالناصر كأحد قادة هذا المعسكر على الصعيد العالمى.
في هذا السياق تكتسب مقالات «محمد حسنين هيكل» على صفحات «الأهرام» أهميتها البالغة، ليس فقط كإحدى أهم الوثائق على تطور الفكر السياسي والاجتماعي المصري والعربي خلال الربع الثالث من القرن العشرين، لكن لأنها كذلك أحد أهم مصادرالتعرف على أفكار الزعيم الراحل «جمال عبدالناصر».. الذي كان «هيكل» صديقًا مقربًا منه، وجمعتهما -بتعبير هيكل- علاقة حوار استمرت ثمانية عشر عامًا متصلة بين 1952 - تاريخ قيام الثورة و1970 تاريخ رحيل عبدالناصر، وهي أعوام كان «هيكل» خلالها هو صائغ خطب «عبدالناصر» المكتوبة، وصائغ رسائله إلى زعماء العالم، وصائغ وثائقه الفكرية الرئيسية من كتاب «فلسفة الثورة» (1954) إلى ميثاق العمل الوطني (1962) ومن خطاب التنحي (9 يونيو 1967) إلى بيان 30 مارس 1968..
وفضلاً عن ذلك، فقد كانت مقالات «محمد حسنين هيكل» على صفحات «الأهرام» تحليلات سياسية تعبر - في الغالب - عن رؤى «عبدالناصر» وعن توجهات نظام الحكم في مصر، لذلك كانت تذاع من الإذاعة المصرية في يوم نشرها، لكي تصل إلى الجماهير العربية في البلاد التي تصادر فيها الصحف المصرية أو إلى الذين لا يعرفون القراءة من هؤلاء.. وكان بعضها بمثابة تمهيد لدى الرأي العام لإجراءات ثورية، سوف تعلن بعد ذلك، كما كان بعضها الآخر إشارة البدء للحملات الإعلامية التي كان الإعلام المصري في عهد عبدالناصر، يشنها ضد المعادين لسياساته من الأنظمة أو الهيئات السياسية العربية وغير العربية.
وتتميز هذه المقالات - فضلاً عن أسلوب «هيكل» الفريد في عرض مادته - بأنها كانت تستند إلى معلومات موثقة جمع بعضها بنشاطه الصحفي الموفور، وباتصالاته الواسعة، التي كونها عبر المهام الدبلوماسية غير الرسمية التي كان «عبدالناصر» يكلفه بالقيام بها، وحصل على البعض الآخر من تقارير الأجهزة المعنية بجمع المعلومات في ظل نظام عبدالناصر، وكانت صور منها ترسل إليه بتعليمات من عبدالناصر، وهو ما جعل هذه المقالات، مصدرًا مهمًا لنصوص عدد من الوثائق التاريخية التي تتعلق بهذه المرحلة.
ويضم المجلد الأول من «بصراحة» المقالات التي نشرها «هيكل» على صفحات «الأهرام» خلال سنوات 1957 و1958 و1959، وعددها 70 مقالاً، نشر أولها بعد عشرة أيام من توليه رئاسة تحريرها، وهي مقالات تتراوح ما بين المقال القصير الذي لا يستغرق سوى صفحتين أو ثلاث من حجم الكتاب، والمقال الطويل الذي يستغرق صفحتين أو ثلاثا من الجريدة، ولم يكن «هيكل» يكتب خلال هذه السنوات الثلاث بشكل أسبوعي منتظم، كما فعل بعد ذلك حين أصدرت «الأهرام» ملحق الجمعة، وخصصت صفحته الأولى لمقاله تحت عنوان «بصراحة»، بل كان يكتب أحيانًا مقالين في الأسبوع، وتمر أسابيع طويلة لا ينشر فيها حرفًا، لذلك اقتصر عدد المقالات التي تضمنها المجلد، على أقل من نصف عدد المقالات التي كان يفترض أن ينشرها لو كان يكتب كل أسبوع.
جانب من أهمية المقالات التي يضمها هذا المجلد، يعود إلى أنه يجمع المقالات التي كتبها «هيكل» خلال الفترة التي بدأ فيها انقسام العالم العربي إلى معسكرين يضم أحدهما النظم الثورية، ويضم الآخر ما كان يوصف آنذاك بالنظم المحافظة أو الرجعية، بسبب إتمام الوحدة المصرية السورية في فبراير 1958 وتأسيس «الجمهورية العربية المتحدة»، وهو الخلاف الذي بدأ بين مصر والأردن، ثم بينها وبين السعودية، وما لبث هذا الانقسام أن امتد إلى الجبهة الثورية، في أعقاب انتصار ثورة العراق في يوليو من العام نفسه، ووقوع الصراع في قيادتها بين الذين يطالبون بانضمام العراق إلى الجمهورية المتحدة، والذين يرفعون شعار «جمهورية لا إقليم» واتسع نطاق الصراع، ليشمل صراعًا بين القوميين، الذين كان يتزعمهم عبدالناصر، وبين الشيوعيين، الذين كانوا قد اتجهوا للتحالف معه، وانغمس الطرفان في حروب إعلامية ندما عليها بعد أن فات الأوان.
ما يلفت النظر في مقالات «هيكل» في هذا المجلد، وغالبًا بعد فيما يلي من مجلدات، أنها كانت تتركز في الغالب حول الصراعات الدولية والإقليمية التى كانت مصر الناصرية طرفًا فيها، وأنها لم تتناول الأمور الداخلية لمصر إلا في حدود ضيقة لا تتعدى 25٪ من مجمل كتاباته، وهي تقتصر في هذا المجلد الأول على عدة مقالات حول فلسفة «الاتحاد القومي» وهو التنظيم السياسي الوحيد الذي شرع عبدالناصر في تأسيسه آنذاك، لعل «هيكل» -لو كان حيًا- كان قد قرأه اليوم «وضحك كثيرًا»!
أما المهم، فهو أن قراءة هذ المجلد، هي في تقديري أفضل ما يمكن أن يفعله كل من يريد أن يحتفل بالعيد الرابع والستين لثورة 23 يوليو التي كانت -كما كان «هيكل» وكان «عبدالناصر»- عظيمة المجد وعظيمة الأخطاء!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها