النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

برامج الرأي.. والرأي الآخر في الفضائيات العربية

رابط مختصر
العدد 9964 الأربعاء 20 يوليو 2016 الموافق 15 شوال 1437

من فضائل شهر رمضان التليفزيونية، أن المشاهدين يرتاحون من برامج «التوك شو» التي يحصل معظم مقدميها على إجازاتهم السنوية خلاله بحكم أن واضعي خرائط برامج الشهر الكريم يزحمونها بالمسلسلات والمواد الترفيهية، إدراكًا منهم أن العرب والمسلمين المعاصرين، يفضلون أن يصوموا عن التفكير في أي شىء جاد، حتى يريحوا عقولهم من الإجهاد الذي يصيبها من جراء الجدل المحتدم حول مسائل لا يبدو أن هناك جدوى من المناظرة حولها، مثل استعادة القدس واسترداد لواء الإسكندرون السليب وإتمام المصالحة الفلسطينية وتجديد الخطاب الديني، وتأسيس نظام عربي يقوم على الديمقراطية.
وفضلاً عن أن معظم المشاهدين يعتقدون أن الحصول على إجازة لمدة شهر من وجع الدماغ الذي تسببه لهم هذه النوعية العبثية من البرامج التليفزيونية، هو أحد الحقوق التي ينبغي أن يتضمنها مشروع ميثاق حقوق الإنسان العربي، فإن كتلة معتبرة منهم تؤمن بأن مشاهدتها من مبطلات الصيام، بحكم ما تنطوي عليه معظم حلقاتها من ألفاظ السباب التي يتبادلها المتناظران، وعبارات التهديد التي يوجهها كل طرف منهما للآخر، بأن لديه تسجيلات بالصوت والصورة، لمخازيه الأخلاقية والسياسية، سوف يبثها على شبكة التواصل الاجتماعي إذا لم يضع في فمه حذاء قديما ويصمت عن معارضته، فيرد عليه هذا الآخر، بأن يلقى في وجهه محتويات كوب الماء الذي وضعه مقدم البرنامج أمامه، خصيصًا لهذا الغرض ليأتيه الرد خالصًا، ويتقدم الطرف الأول نحوه، وهو يحمل فردة الحذاء بيسراه، وقرصًا مدمجًا بيمناه، صائحًا: «السي دي» لا يزال في جيبي
وبذلك تنتهي عادة معظم حلقات برنامج - أو برامج - «الرأي.. والرأي الآخر» في الفضائيات العربية.
بعد فترة من استضافة هذا النوع من البرامج لي تنبهت إلى أن معظم صناعها كانوا يعدونني للمشاركة في الحلقة على نار هادئة، تبدأ بأن يتصل بى مقدم البرنامج - أو أحد معاونيه - هاتفيًا، ليسألني عن رأيي في مسألة ما، ويجرى معي حوارًا مفصلاً حول هذا الرأي يستهدف التأكد من أنني أتخذ موقفًا راديكاليًا متزمتًا منها، يقف عند أحد أطراف الجهات الأصلية، فإذا اطمأن إلى ذلك أثنى على الرأي الوطني الحصيف الذي أبديته ودعاني للمشاركة في حلقة عن الموضوع، وأخطرني باسم الطرف الآخر، ليستأنف - قبل بث الحلقة مباشرة - تحريضي ضد هذا الطرف، متظاهرًا بأنه يتبنى وجهة النظر التي أتبناها، معبرًا عن ثقته بأنني سوف أمسح به البلاط، على الهواء أمام الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، وهى المهمة نفسها التي كان يقوم بها - هو أو أحد معاونيه - في اللحظة ذاتها مع الطرف الآخر في المناظرة، بحيث يدخل كل منا إلى الاستديو وهو مزود بكل أدوات شرشحة صاحب الرأي المختلف معه، من إلقاء محتويات كوب الماء، إلى رفع الحذاء بيد والصراخ بأن «السي دي» لا يزال في جيبي يا بن الكلب!
وكان باعثًا على إحباط كثيرين من هؤلاء، أنني لم أقع في هذا المطب، لأسباب كان من أهمها التي أيقنت أن هذه المدرسة الإعلامية لا تسهم في التغلب على عيبين خلقيين - بكسر الخاء وسكون اللام - أصيبت بهما الشخصية العربية بسبب توطن الاستبداد، هما التعصب للرأي وادعاء احتكار الصواب، بل تساعد على العكس من ذلك في تكريس هذين العيبين، لأنها ببساطة تنطلق من فكرة خاطئة بأن هناك في كل مسألة وجهتي نظر فقط، وليس وجهات نظر متعددة، وتتجاهل أن المجتمع - كالطبيعة - متعدد الألوان، لا يقتصر على الأسود الحالك والأبيض الناصع، وأن هناك الكثير بينهما تتعدد درجاته وتلك هي الحقيقة التي كشف عنها العلم الحديث حين قام بتحليل ضوء الشمس، ليكتشف أنه ينطوي على سبعة ألوان!
وأتذكر أنني صارحت مرة أحد مقدمي هذا النوع من البرامج برأيي هذا، في ختام جلسة تسخين طويلة، كان خلالها يحاول تأهيلي للقيام بما يلزم ضد الطرف الآخر في المناظرة واقترحت عليه، ألا يقصر المناظرات التي يقدمها في برنامجه على طرفين، وأن يضيف إليهما طرفًا ثالثًا، وأن يتخذ شعارًا له قول الإمام الشافعي رأينا «صواب» يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب» حتى نرسخ فكرة احترام الحق في الاختلاف، ونصونه ممن يسعون لإلزامنا الصمت، أو لجرنا لمعارك عبثية يستغلونها لإشاعة الاعتقاد بيننا أننا لم ننضج بعد لممارسة حقنا في الاختلاف، فنظر إلى بذهول للحظة لعله كان خلالها يفكر في البحث عن ضيف آخر يحل محلى.. ساعتها أدركت أن ضيوف هذا النوع من البرامج، يخطئون حين يحققون هدف مقدميها فينهونها بأن يرفع كل منهم الحذاء في وجه الآخر، بدلاً من أن يرفعوه في وجه الذين يستضيفونهم لكي يقوموا بهذا الدور العبثي، وانضممت من يومها إلى الكتلة العظمى من مشاهدي تليفزيون رمضان، الذين يعتبرون أن من بين أفعال الشهر الكريم أنه يريحهم من مشاهدة هذا النوع من البرامج، لأنها من مبطلات الصيام!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها