النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

مطارحات

النفاق السياسي الفج.. العنف عندما يرفع شعار السلمية

رابط مختصر
العدد 9964 الأربعاء 20 يوليو 2016 الموافق 15 شوال 1437

من المضحكات المبكيات الحديث عن «السلمية» في موقع العنف الشديد المتصاعد المؤطر بالتبرير والتحوير الديني والسياسي والإعلامي، ولا يشبه هذه المفارقة إلا الحديث عن الهزل في موقع الجد، فالتغني بالسلمية مع التأسيس للإرهاب أو تسويقه أو تبريره بأي صورة من الصور، أو السكوت عنه لا يمكن أن يصنف إلا ضمن مفهوم النفاق السياسي الفج واللاأخلاقي، تماما مثل شتم الناس والتطاول عليهم وعلى حرياتهم ومقدساتهم وهوياتهم - تحت عنوان حرية التعبير أو الحق في التعبير - والذي لا يمكن تصنيفه تحت عنوان السلمية أو حرية التعبير، بل لا يمكن أن يصنف إلا تحت عنوان الإرهاب المادي والفكري الأعمى ضد خلق الله.
إن الحقيقة التي تأكدت منذ الأيام الأولى للأحداث التي شهدته البحرين في فبراير 2011م ويتم تغييبها حاليًا بالنسبة لمفهوم السلمية المسوق سياسيًا وإعلاميًا، هي إن «هذه السلمية» قد ارتبطت وترتبط إلى اليوم بمفهوم «الثورة - الانقلاب» على الشرعية القائمة، وليس بمفهوم الممارسة الديمقراطية المدنية الشرعية، فمثلما هنالك ثورات مسلحة، فهنالك الثورات السلمية - ولذلك فإن المفهوم يجب إن ينظر إليه على انه جزء من تكتيك ثوري لإنهاك النظام، فتبدأ الحركة بالمظاهرات السلمية التي سريعا ما تتحول إلى عنف متصاعد بمجرد سقوط ضحايا، وقد تتحول بعد ذلك إلى العسكرة مثلما هو الأمر في الحالتين الليبية والسورية، ومن مظاهر هذه السلمية (التي يمكن ان نسميها بالسلمية العنيفة او بالسلمية الثورية لأن هدفها النهائي تغيير نظام الحكم ويمكن رصد بعض أشكال عنف السلمية على النحو الجاري في الواقع:
أولاً: المظاهرات كمعبر رئيسي عن المكون السلمي للحراك الشعبي، مازالت تنتظم في أكثر من مكان ومناسبة، وتشتد بمجرد سقوط أحد الضحايا (وان لم تسقط ضحية يمكن تحويل الموت العادي إلى حالة استشهاد للتحشيد)، ويتم نقل صورة هذا الاحتشاد على انه معبر عن حالة عنف رسمي واضطهاد لا إنساني، ومن ثمة يتم الحرص على الاستمرارية وعدم التراجع مهما كلف الثمن.
ثانيًا: مواكبة الاحتشاد بتوزيع المنشورات والكتابة على الجدران في كل مساحة يمكن الكتابة عليها لنقل شعارات (السلمية) التي تدور في مجملها حول التسقيط والإساءة إلى السلطة السياسية والعمل على الحط من مكانتها في القلوب والنفوس وتسهيل عملية التطاول عليها وجعلها معتادة بصريا وسمعيا بين الأجيال الشابة.
ثالثًا: الظهور الإعلامي (بما في ذلك الفضائي والإذاعي والاجتماعي) لعدد من الإفراد الذين تم أعدادهم في المعاهد الأمريكية ليكملوا الصورة من خلال التحريض اللفظي والسياسي، وربما اقتضى الأمر اللجوء إلى تغيير الحقائق بشكل منتظم.
رابعًا: إكمال الصورة من خلال استغلال المنبر الديني الذي تحول في بعض الأحيان إلى المبرر الرئيسي لعنف السلمية المشار إليه وتسويقه أو الدفاع عنه، وبالتالي منحه قدرًا معينًا من الشرعية الدينية التي تصبح بمثابة الفتوى في المواجهة مع السلطة.
خامسًا: الاعتداء المتعمد والمبرمج مسبقًا على رجال الأمن في سياق العمل على كسر صورة رجل الأمن وإضعافه أمام الجمهور، وقد كان واضحًا ان هذا المبدأ الذي يشار إليه في (دليل الاستخدام) السلمي الذي يدرس في أكاديمية التغيير الأمريكية هو من أكثر المبادئ تنفيذًا على ارض الواقع.
سادسًا: دمج الخارج في الشأن الداخلي، سواء من خلال التصريحات او البيانات الإعلامية والسياسية او من خلال فتح باب الإعلام المعادي ليكون جزءًا لا يتجزأ من هذا الحراك السياسي «السلمي» المنسق له سلفًا مع القوى الخارجية، ليكون بدوره شكلاً آخر من أشكال عنف السلمية.
والحقيقة أنه وإذا كانت «السلمية» قد كشفت في بعض الحالات (ليبيا وسوريا) وحشية النظام السياسي اللامحدودة ضد المحتجين الذين تمت مواجهتهم برصاص والحديد والنار ووحشية لامحدود، فإن السلمية المضللة والتي تم استخدامها في بعض الحالات الأخرى للتمويه فقط، قد كشفت أصحابها أكثر مما كشفت الأنظمة السياسية، خصوصًا عندما نجحت السلطات في ضبط نفسها وترشيد العنف الرسمي لاستيعاب حالات الاحتجاج وفقًا للقانون، بما في ذلك الاحتجاج العنيف وغير الشرعي في مواجهة سلطة تعمل على إصلاح نفسها وتعزيز الديمقراطية والشراكة، بما يجعلها سلطة رشيدة، وبذلك فإنه لن يكون من الممكن تسويق السلمية في هذه الحالة إلا كنوع من العنف حتى وان كان يرفع شعار السلمية.
إن السلمية في جوهرها هي حفاظ على السلم وعلى الحياة البشرية وعدم إهدار الحقوق، وخاصة حقوق الاخرين الذي يتضررون من التجمعات والمظاهرات، إنها عملية في منتهى الدقة، ومعادلة صعبة إلا انها من شروط المجتمع الديمقراطي، ومن شروط التعايش السلمي في المجتمعات، ولذلك كان للسياق السلمي العام لعملية التحول الديمقراطي في المجتمعات المتقدمة دوره المؤثر في انجاز الديمقراطية، ولكن ليست السلمية في حد ذاتها هي سبب النجاح، الوحيد طبعا، فهناك حركات سلمية فشلت، بسبب عدم القدرة على توسيع قاعدة المشاركة وبسبب التغول الطائفي او العرقي او القبلي، لأن السلمية أيضا ثقافة مناهضة للتمييز والفكر الديني الطائفي وللفكر القومي الشوفيني بنفس الدرجة.
إن فرص بناء الديمقراطية وتعزيزها لتتحول الى فكر وممارسة تتأتى عن طريق واحد وهو طريق أساليب النضال الفكري والسياسي السلمي المدني المعادي للأساليب العنيفة، لأن العنف غالبًا ما يؤدي إلى صراعات مسلحة وحروب أهلية طويلة المدى، وإلى صعوبة بناء ديمقراطية قابلة للاستمرار.
همس
«إن مظاهرات الاحتجاج والمسيرات التي يمكن أن تقوم بها الجماهير يجب أن تكون سلمية وقانونية كي تصبح محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان». ماينا كياي - مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها