النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

في بيتنا «داعشي»!

رابط مختصر
العدد 9960 السبت 16 يوليو 2016 الموافق 11 شوال 1437

أعتقد أن معظمنا قرأ أو سمع عن حكاية المواطن الكويتي الذي اتصل بوزارة الداخلية وطلب منها اعتقاله والتحفظ عليه، لماذا؟.. لأنه يخشى على نفسه وأسرته من أن يرتكب بحقهم جريمة قتلهم والتخلص منهم. فالمواطن الذي تنبه لخطورة حالة توصل الى قرار صائب بضرورة أن يتم التحفظ عليه، فهو قال في طلبه: «أنا أحمل الفكر الداعشي وأخشى على نفسي وعلى أسرتي أن ارتكب جريمة أو أن أدفع دفعًا لذلك».
وكانت الكويت قد استيقظت قبل هذه الحكاية على فجيعة تدمي لها القلوب، على وقع جريمة بشعة، حيث قتل داعشي شقيقه نحرًا، ولدى التحقيق معه في سبب الجريمة، ادعى الجاني أن شقيقه لا يصلي ولا يصوم. وهنا أصيب المحقق بغثيان شديد لدرجة لم يتمكن من مواصلة التحقيق مع هذا «الداعشي» الذي تجرأ على شقيقه ليطعنه طعنتين قبل نحره من الرقبة بسبب مزاعمه.
وليس بعيدًا عن هذا الحادثة التي هزت السعودية في أحد أيام الجمعة في شهر رمضان الماضي، عندما أقدم شابان على قتل أمهما وإصابة والدهما وأخيهما غدرًا في الشهر المبارك.
من الواضح أن الفكر الداعشي لم يصبح مقصورًا على المناطق التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق وليبيا وهنا وهناك في منطقتنا الخليجية ومصر وربما المغرب العربي، فالفكر الضال الشاذ يتوغل الى عقول أطفالنا، وهنا لب المشكلة، بل المشكلة ذاتها. فكم من منازلنا يوجد بها «داعشي صغير» أو «داعشي طفل»، والأخطر هو عالم الانترنت الملئ بفيديوهات وأفلام تعلم أطفالنا كيف يكونوا «داعشيين» رغم ابتعادهم عن دولة الخلافة المزعومة. فلم يعد الانضمام للتنظيمات الإرهابية صعبًا كما كان في السابق، فليس مطلوبًا من المنضم حديثًا أن يطيل لحيته وشعره ويرتدي قميصًا أسود وتظهر على جبهته علامة الورع.
ومن سمع عن أو قرأ تعبير «الذئاب المنفردة» فهو يعني هؤلاء الذين ينضمون لداعش من الخارج، سواء أوروبا أو أمريكا، أو منطقتنا، فهؤلاء ينضمون إلكترونيًا الى التنظيم وينتظرون تلقى التعليمات بالقتل والتخريب في مناطقهم ودولهم، وكان ثمن انضمامهم تفجيرات فرنسا وبلجيكا وبقية الدول، وليس ما تعرضت له مؤخرًا السعودية سوى حلقة ضمن حلقات الإرهاب عن بعد، وكانت السلطات السعودية قد أعلنت أن الإرهابي منفذ تفجير القنصلية الأمريكية ليس سعوديًا ولكنه يتبنى تفكير داعش.
والداعشيون الجدد ليسوا بحاجة الى وسائل مواصلات أو سفر أو مغادرة بلدانهم، فكل الأمور ميسرة، فقط سيعترف بك التنظم الأم عندما تنجح في تجنيد المزيد من الداعشيين في منطقتك، ليس شرطًا أن تعلمهم فرائض الوضوء، ويكفي أن تعلمهم سنن الذبح وفي أي منطقة بالرقبة يكون الذبح نافذًا وأشد تعذيبًا، إغسل دماغهم بفردوس الدولة الاسلامية، فتصبح من الجند المساهمين في بناء الدولة الداعشية.
 وبمناسبة الحديث عن خطورة داعش في منازلنا، نعيد للأذهان حادثة تعد الأكثر فظاعة، عندما أقدم شاب سوري في العشرين من عمره، وينتمي إلى تنظيم داعش الإرهابي، على إعدام والدته على الملأ، بعدما طلبت منه ترك التنظيم. ومن الهول أن نعلم أن الشاب الداعشي أبلغ التنظيم بأنها «حرضته على ترك تنظيم الدولة الإسلامية والهروب معها خارج الرقة»، وحذرته من أن غارات التحالف الدولي ستقتل جميع عناصر التنظيم، فاعتقل التنظيم السيدة على الفور واتهمها بالردة، ليقوم ابنها بإعدامها رميًا بالرصاص أمام مئات المواطنين.
خطورة داعش أنه زرع الضغائن بين الأبناء والأمهات والآباء، ويتفاخر التنظيم بأن جراحًا سوريًا ينتمي له قرر تنفيذ قرار قتل والده بنفسه عقب إصدار قيادات داعش أمرًا بذلك بزعم أن والد الجراح يمارس السحر.
ومن حكايات الكبار الى الأطفال، فداعش لم يتركهم في حالهم ولم تحميهم براءتهم، ففي أغسطس الماضي ذكرت سيدة أيزيدية، في مقابلة مع صحيفة الدايلي ميل البريطانية، أن طفلها ذا الأربع سنوات تم اختطافه ضمن عدة أطفال من طائفته، وفي المعسكر تم تعليمه كيفية ذبح أمه، ولكنها نجحت في الهروب منه من آتون هذه المحرقة. وذكر طفل سعودي في أكتوبر الماضي لقناة «المواطن» السعودية أن عناصر من داعش حرضته على قتل أمه، من خلال التواصل معه عبر ألعاب البلاي ستيشن.
ولنا هنا وقفة مع البلاي ستيشن، فثمة فيديو منتشر على اليوتيوب يتضمن لعبة تنقل للطفل الذي يلعب بها، كيفية الانضمام لداعش، الفيلم الذي لم يستغرق سوى دقيقة واحدة نجح في ضم الطفل الى صفوفه، حيث أغراه بهذا الانضمام بحجة الدفاع عن الإسلام في مواجهة الكفرة أهل الغرب، بل نحن أيضا الذين لا نحافظ على صحيح الدين، ثم يختتم الفيلم بكلمة «الله أكبر الله أكبر» للدلالة على أن الطفل قد انضم فعلاً للتنظيم وأصبح أحد أعضائه. وحسنًا فعلت وزارة التعليم عندما أنتجت فيلمًا تعليميًا يحذر من خطورة ترك أبنائنا بمفردهم لساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر والألعاب الإلكترونية، فبعض هذه الألعاب ينقل للطفل طرق القتل والذبح التي تتبناها داعش في عملياتها الإرهابية التي لم يأمر بها لا دين سماوي أو أي غير سماوي. فالفيلم الذي أتحدث عنه يحذر كل ولي أمر من أن يترك ابنه للتنظيم. نعم للتنظيم، وأعي ما أقول، فماذا ننتظر من طفل يمارس القتل والإرهاب من خلال ألعاب البلاي ستيشن، هل سينمو طفلاً عاديًا سويًا؟ بالقطع لا، فهو مارس في العالم الافتراضي تجارب ربما يفضل أو يتخيل أنه سينفذها في الواقع، هذا الواقع الذي جعلنا نعيش تجارب مؤلمة كثيرة، منها الابن الذي قتل أمه، والشاب الذي قتل أبناء عمومته الذين تربوا معًا في منزل واحد بحجة عدم التزامهم بصحيح الدين، فما كان منه سوى قتلهم على طريقة داعش، ثم يدعي في التحقيقات أنه فعل الأمر الصواب أو صحيح الدين كما يدعون، ثم تصل الصفاقة أبلغها ليهدد الداعشي المجرم المحقق بقتله ما لم يفرج عنه ويجعله يغادر البلاد.
كل هذا من العاب البلاي ستيشن المدمرة، فماذا ننتظر من طفل يحتال، يقسو، يضرب بلا رحمة، فكل هذا تعلمه في الالعاب الخطيرة على تشكيل الحالة النفسية والمزاجية للطفل. وماذا ننتظر من طفل يفقد المشاعر الإنسانية بسبب مكوثه لساعات طويلة أمام الكمبيوتر وممارسة الألعاب الإلكترونية؟.. طبيعي أن يداهم الخطر منازلنا، ويتسع المجال لتبني الفكر المتطرف، ليتضاءل مع ذلك التمسك بتقاليد الدين السمحاء. وماذا ننتظر من طفل قضى ساعات نهاره وليله يتحدث مع أناس عبر الأنترنت لم نعرف هويتهم وجنسياتهم؟ أو ماذا ينقلون له في عقله الصغير؟ وما بالنا بالتوجيهات التي قد يتلقاها أطفالنا من أولئك الإرهابيين عن بعد؟.. وماذا فعلنا مع أطفالنا؟..هل جلسنا نتناقش معهم؟ هل تابعناهم عن بعد أو حتى عن قرب؟ هل تحاورنا معهم لنعرف أفكارهم وتوجيههم نحو ممارسة ألعاب أفضل تعليميًا وذهنيًا ودينيًا واجتماعيًا؟ هل جلسنا معهم نشرح لهم صحيح الدين؟ أو لنعلمهم كيف يقضون أوقاتهم في أشياء مفيدة وأهمها القراءة على سبيل المثال، أو تعليمهم الرسم، أو اقناعهم بممارسة الألعاب الرياضية.
الدرس المستفاد من كل ما سبق، هو ضرورة أن نعيش مع أطفالنا، أبنائنا، أسرنا، لنكون جميعًا في أمان، فالدرس الأهم هو الحفاظ على العالم الأسري الذي تربينا عليه ولا نترك المجال لغيرنا ليربي أولادنا. والدرس الثاني هو أن القضية خاصة وعامة، فهي تتعلق بأسرة ومجتمع قبل أن ترتبط بدولة، وما نريده من رجال الدين أن ينشطوا في مجالهم لتوعية أطفالنا وشبابنا من خطورة الانترنت وهذه الألعاب المدمرة، فالوقاية خير من العلاج. وعلى الجهات الثقافية والإعلامية أن تنشط هي الأخرى للتعريف بخطورة الأزمة التي قد نعاني منها مستقبلاً، ولذا يجب التنبيه لها من الآن قبل غد، حتى لا نفاجأ بفاجعة توجع قلوبنا وأبداننا ونفسيتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها