النسخة الورقية
العدد 11095 الأحد 25 أغسطس 2019 الموافق 24 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

مواجهة طغيان المذهبية

رابط مختصر
العدد 9959 الجمعة 15 يوليو 2016 الموافق 10 شوال 1437

 بعد طول معاناة احتراب وتفكك وتشرذم، عرفت أغلب المجتمعات البشرية وخصوصا تلك التي تميزت بتنوعها الاجتماعي كيف تستثمر هذا التنوع في إنشاء هوية مواطنية متميزة فعالة في عمليات التنمية والبناء، وعرفت كيف تنتج من هذا التنوع ثراء ثقافيا وحضايا، فوظفته في النهوض بالمجتمع في كافة المجالات، فلذلك تراها قد قطعت أشواطا في تحقيق رفاهها الاجتماعي ورخائها الاقتصادي واستقرارها السياسي. لم يكن ذلك ليحصل لولا تسامي المجموعات البشرية هذه على انتماءاتها العرقية والإثنية والعقائدية والمذهبية، لتبني لها شخصيتها الوطنية الجامعة الفاعلة. لكن كيف بدا الحال بالنسبة لنا نحن في المجتمعات العربية؟ فهل اقتفينا المسار ذاته باعتبار أن الحضارات الإنسانية تتناقل المنجزات وتتبادل النجاحات؟


 واقع الحال بالنسبة إلى بعض المجتمعات العربية يقول إنها وبدلا من أن تتلاقى فيها الأنواع والتعدديات ومن ثم تنصهر لبناء الوطنية الجامعة وتشرع في عملية البناء والتنمية، فإنها اختارت أن تبحث عما يفرق، وتعمق فيما بينها العناصر التي تشتت، ولهذا مثل لها هذا التنوع وهذه التعددية عامل إعاقة وعنصر ضعف باعد بينها وبين التنمية، وأخذت تتقوقع على ذاتها لتقيم بينها وبين الآخر المختلف معها جدرانا عزلتها في أوطانها وعن أوطانها، حتى قبعت بعض هذه المجتمعات في قاع التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وأنتج عدم الاستقرار والتفكك. وقد كانت الطائفية الدينية والمذهبية أهم إفرازات الفشل في بناء الوطنية الجامعة وأكثرها خطورة.


 المجتمع البحريني من المجتمعات التي ظلت ردحا من الزمن تفخر بتنوع أعراقها وتعدد مذاهبها مما زادها ثراء ثقافيا، وقد استثمر آباؤنا وأجدادنا هذه الميزة أحسن استثمار، فشيدوا مجتمعا متحابا ينعم بالسلام ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة التي نشهدها اليوم، لكن أين نحن اليوم من مجتمع الآباء والأجداد؟ فهل، يا ترى، استطاع تسونامي الطائفية الذي عملت على تكريسه واقعا الجمعيات المذهبية بعد عام 2011 أن يحقق ما خططوا له من تشتيت ممنهج للمجتمع عبر ضرب وحدته الوطنية، وأن يغيروا قناعات هذا الشعب في بناء شخصيته الوطنية غير التابعة؟ ثم هل الطائفية قدر محتوم للمجتمع البحريني؟ هذان السؤالان الأخيران في اعتقادي مهمان. وإجابتي الشخصية عن السؤال الأول قائمة على النفي حتما، لأن ما شهدته البحرين قد زاد الشعب البحريني يقينا بوحدته وبضرورة وقوفه خلف قيادته السياسية بقيادة الملك المفدى، أما الإجابة عن السؤال الثاني فأتركك عزيزي القارئ تكتشفها في ثنايا بقية المساحة المتاحة للمقال. 


 لقد سبق وأن بينا، في مقالات سابقة، بالنسبة إلى المجتمع البحريني وجود رأي يشير إلى أن الديمقراطية سبب رئيسي في بروز الطائفية، وأنها، أي الطائفية، هي التي أتاحت للمذهبيين الذين تسلقوا الديمقراطية للهيمنة وإقصاء الآخر المختلف. هذا الرأي، في اعتقادي، لا يتمتع بالوجاهة المطلوبة ليصمد أمام النتائج الباهرة التي حققتها المجتمعات المتقدمة، وعليه فإننا نستبعد هذا الرأي، لأنه، ببساطة، مخالف للوقائع الحية التي نشهد نجاحاتها على مستوى الفعل الإنساني في أكثر من مكان. ولعل أكثر تجليات ذلك نراه في مجتمعات الديمقراطية في غرب أوروبا وأمريكا. 


 ثمة رأي آخر، عزيزي القارئ، تراه يطرح على ألسنة البعض ممن يضمرون الشك في كل ما تبذله وزارة التربية والتعليم في هذا الإطار، ومفاده أن الطائفية ما كانت لتظهر لو أن وزارة التربية والتعليم في البحريين قد اعتمدت مناهج متطورة حية واهتمت بشؤون المواطنة والوطنية وحقوق الإنسان وعززت هذه المناهج ببرامج وأنشطة تربوية صفية ولا صفية تعنى بقيم كبرى لا يكتب لمن يتجاوزها من المجتمعات النجاح مثل:

التسامح، والحوار، والاعتدالية، ونبذ الكراهية، والعنف والمواطنة وغيرها من القيم. وهذا قول صحيح إلى حد إذا ما كانت وزارة التربية والتعليم هي وحدها المسؤولة عن هذا الفعل، فالمناهج وحدها لا تكفي لإحداث التغيير المرغوب في المجتمع إذا ما ظلت وحيدة ولم تحصل على دعم ومؤازرة من الأسرة البحرينية ومن جميع مؤسسات المجتمع المدني، كل فيما يخصه. 
 ما فتئت وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين تعمل جاهدة على إعداد أفضل المناهج في ضوء أحدث المعايير الدولية وأكثرها نجاعة في تخريج ناشئة تجسد تطلعات المجتمع، ولكن كيف ننتظر من وزارة التربية أن تحدث التغيير الحاسم في ظل هذه التجاذبات السياسية التي يستثمرها رجال الدين الطائفيون في كل مذهب من المذاهب الدينية من خلال منابرهم الدينية ليبيحوا لأنفسهم نحت ملامح شخصية نفضوا عنها الغبار واستحضروها من مقابر التاريخ في محاولة منهم لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية في بلدهم ليقاوموا بذلك عملية البناء الحداثية التي تتصدى لها الدولة المدنية البحرينية؟!!


 إن كل الجهود التي تبذلها وزارة التربية في تحسين المناهج التربوية لتواكب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل أن تستجيب لشروط المواطنة وحقوق الإنسان ستذهب سدى، في ظل استفحال هذا السرطان المذهبي الطائفي هذا إذا ما ترك المجال للمد الطائفي المذهبي أن يجوس في المجالس وفي الإعلام والمنتديات، وفي ظل مناهج موازية لا تغذي الناشئة إلا الحقد المذهبي الأعمى ولا تلهمها إلا أساطير الصفاء العرقي أو المذهبي، ولا تحفزها إلا إلى ما ينفي شركاء الوطن ويلغيهم، ولعل فيما تبثه القنوات الإيرانية في حربها الطائفية ضد دول مجلس التعاون، مثال ساطع على ما نقول. أنا في ضوء هذا الواقع أميل إلى وجهة النظر القائلة بأن التربية في مطلق معناها، أي التربية التي يضطلع بها المجتمع ككل، هي المسؤولة عن تفشي مفردات الطائفية وثقافتها المميتة.


 إن أي متتبع لما تنفذه وزارة التربية والتعليم من برامج لدعم المواطنة وحقوق الإنسان لا بد أن يكون منصفا، ولن يوفر ذريعة ليلقي باللائمة على كل الجمعيات السياسية التي تنحدر من خلفيات مذهبية أيا كان هذا المذهب، سنيا أو شيعيا، ويحملها مسؤولية تفشي سوءة الطائفية في المجتمع.


 وأحسب أن أولى التحديات، ونحن نأمل في اجتياز النفق المظلم الذي دخلنا متاهته بدفع من قوى محلية باعت نفسها للشيطان الإيراني وغير الإيراني، أن نعيد ترتيب أولوياتنا الوطنية لنتباحث حلها على أسس ديمقراطية معضودة بتطبيق المواطنة واحترام حقوق الإنسان. كما ينبغي علينا الحرص على جودة مادتنا الإعلامية وصدقها والتدقيق في طرائق إرسالها وعرضها على المواطن،

لأن في تضافر عمل وزارة التربية والتعليم والإعلام والأسرة يكمن نجاح المجتمع في تجاوز تشتته ليبني شخصيته الوطنية الجامعة القادرة على الدفاع عن نفسها في مواجهة طغيان الطائفية المذهبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها