النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

ما العيد إذا لم يكن فرحا؟!!

رابط مختصر
العدد 9952 الجمعة 8 يوليو 2016 الموافق 3 شوال 1437

 قد يبدو غريبا لكم قرائي الكرام احتفائي بفرحة العيد هذا العام كتابة على هذا النحو، ذلك أنني خصصت مقالين متتاليين أتحدث فيهما عن بعض الذكريات، ولكن الغرابة سوف تتلاشى إذا ما عرفتم أنني «فيني فقرة» احتفاء بهذه المناسبة بسبب حجب، أو قل محاولات حجب المذهبيين هذه الفرحة، على مدى خمس سنوات. فعند بدء الكتابة عن الفرح والأعياد والمناسبات لا تنزعجوا من استهلالي بالإشارة إلى إساءات المجموعات المذهبية لبلادنا، لأني أجد في ذلك شكلا من أشكال الاستعاذة من شيطنة عيسى قاسم وعلي سلمان والشهابي والمشيمع وعبدالوهاب وجميع الجمعيات المذهبية التي تحتويهم أو يحتوونها. 


 ما أحوجنا اليوم، نحن البحرينيين إلى الوقوف وقفة تأمل وتقييم لكل ما عايشناه وما نعايشه بأمل الرسو على شواطئ الأمن والاستقرار بعد الأخذ بالأسباب التي حالت دون إتمام علاج المشكلات التي علقت بمعايشاتنا تلك، فدعونا نحتفل كما ينبغي لنا الاحتفال، ونفرح كما يجب لنا أن نفرح، ونتأمل ونقيم، فنحن شعب عاقل بناة حضارة راكزة راسخة، يحب الحياة، لا يلين ولا ينكسر.
 القول بأن العيد طفولة يوازي القول بأن الطفولة عيد، وهذا هو الصوت الأول من الذكرى التي تنجلي مع قدوم العيد. إن باستطاعة الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد ويستحضر تفاصيل ذكرياته، ويستجلب معها وجوه البشر والأماكن والروائح التي تزامنت معه، ويستعرض كل الصور والمواقف التي تسبق العيد وخصوصا تلك التي تتصل بالاستعدادات المبكرة له. 


 المال والجهد هما العدة والعتاد اللذان يبديهما الأبوان بفرح وبنكران ذات، فالأم بالخصوص تسعد ببدء التحضير للعيد بكرم وأريحية وتحمل تبعاته والتهيئة له وتنهك في تحضيراته حتى تفيق على حقيقة أنها نسيت ذاتها من فرط الانشغال في تحضير احتياجات أبنائها. أطال الله أعمار جميع أمهاتنا اللاتي يحتفلن معنا بهذا العيد، وتغمد بواسع رحمته من غادر منهن دنيانا إلى دار الخلود، مورثين لنا كرم الأخلاق وطيب المعشر.


 العيد فرحة طفولة لامتناهية كان الأطفال في نهاية المطاف، وعلى عكس ما هو حاصل اليوم، يستسلمون بعد نوبة من البكاء والنحيب الفاجع إلى قرارات آبائهم في اختيار اللباس الجديد الذي يرونه مناسبا لهم. ولا يعتقدن أحد أن سبب هذا البكاء والنحيب بخل آبائنا رحمة الله عليهم جميعا وإنما ناتج عن ضيق ذات اليد، والتي من آثارها اليوم أن الآباء والأمهات يضعون كل ما يملكون من مال تحت طلب أبنائهم تعويضا عن معاناة آبائهم من جراء ضيق ذات اليد. ومن الصور المحفورة في الذاكرة تقاطر الآباء مصطحبين معهم فلذات أكبادهم إلى أماكن الحلاقة غير الموجودة في القرى عموما، ومحدودة العدد في المدن. ومن الملاحظ آنذاك أن الطفل حتى سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة ويمكن أكثر، يذهب بمعية والده ليجري الحلاقة، فترى «دكان» الحلاقة ممتلئا عن بكرة أبيه. ما يحدث بالنسبة إلينا أهالي قلالي هو أننا نذهب من قلالي إلى المحرق للحلاقة، ونعود من دون أن نجريها بسبب ازدحام «دكان» الحلاق. مما كان يشكل قلقا للأم يخفي ملامح فرحتها إلى حين. هل يجوز أن يحل العيد وابنها أو أبناؤها بدون حلاقة؟! 


 أما البنات فإن تحضيراتهن تسبق بكثير تحضيرات الأولاد، كما هو الأمر الآن، فهن، في مظهر واحد من مظاهر الاستعداد التي أذكر، يستكن منذ وقت مبكر إلى حرارة الجمر، إذا ما تزامن العيد مع فصل الشتاء، فهو يبعث بحرارته إلى كفوفهن وأقدامهن ليسهم في الإسراع بتجفيف الحناء التي ستكون نقشتها مصدر فرح وحبور لقلوبهن، أكرر إنه بإمكان الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد، ولكن هيهات أن يستعيد فرح العيد وهو قد غادر طفولته. ويمكن لهذا السبب نلجأ إلى طرق باب الذكرى لاستحضار بعضا من المشاهد.


 وعطفا على إحساسي الشخصي يبقى العيد حالة من الحنين إلى الماضي (نوستالوجيا) ليس من اليقين الإمساك ببهجة لحظتها إذا لم تسارع إلى هتك أستار الماضي واستحضار طفولتك من خلفها. وإذا ما ساءلت ذاكرتي عن حجم الفرحة بالعيد قبل خمسين عاما فإنها ستشير إلى حضور فن الطرب والغناء بوصفه أكثر الفنون تجسيدا لحالات السعادة والحبور بالأعياد، وتعبيرا عن اللحظة حتى لا تفلت من دون تسجيل حضور لها في ذاكرة المحتفلين. 


 إن فنون ذلك الزمن لمعبرة عن المناسبات المفرحة، ففي أيام الأعياد الوطنية والدينية على حد سواء تنتشر الفرق الفنية على اختلاف أنواعها، لقد كانت الفنون الشعبية مثل: العرضة (الرزيف) وبعض فنون الغوص والليوة والطنبورة وكذلك المراداة، التي ضيعها عدم الاهتمام بالتراث فباتت مفردة لا معنى لها بدءا من جيل السبعينيات فصعودا، كانت هي التعبير الأمثل عن بحرين التسامح والتحاب والتراحم، وكانت هذه الروابط الوجدانية والفكرية والاجتماعية كلها مجسدة فيما كان يجري من طقوس ومراسم احتفالية لا تخلو البتة من الرقص والطرب والانتشاء دون حرج ولا خوف. 


 تقام هذه الفعاليات التي ابتدعتها الذاكرة الجمعية على امتداد نهارات المناسبة الدينية أو الوطنية، لتكسر الروتين وتثري حياة الناس بمزيد من فرص البهجة، كل هذا فضلا عن الحفلات الليلية التي يحييها المطربون البحرينيون والعرب، وبالرغم من ذلك فقد ارتحل آباؤنا إلى البارئ عز وجل بعد عطاء للوطن حافل بالمنجزات وهم كلهم إيمان وخشوع ووطنية.
 تساءلت في مقال يوم الأربعاء الماضي وقلت:

«ما العيد إذا لم يكن فرحا؟» هذا الفرح يعبر عنه بطرائق مختلفة تتجمع في ذاكرة الناس تحت مسمى عادات وتقاليد، فلهذا، لكل جيل طريقة في إظهار فرحه بالأعياد والمناسبات، ويبقى المشترك بين الأجيال كلها هو وجود هذه الأعياد والمناسبات بذاتها، كمتنفس للتعبير عن هذا الفرح. أما أولئك الذين يقفون حائلا ضد رغبات الناس في إظهار أفراحهم، وتصويرها على أنها حالات «مجون» وترف زائد، فليحتفظوا بحالات تبرهــم وسخطهــم على أنفسهـم لأنفسهم، وأن يكونــوا بمــنــأى عــن المجتمــع لكيلا تنتقل له العدوى!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها