النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

لون من الفن.. وليس تشويهًا للتراث!

رابط مختصر
العدد 9950 الأربعاء 6 يوليو 2016 الموافق 1 شوال 1437

من بين المسائل التي يثار حولها الجدل في رمضان من كل عام، مسألة يطلق الذين يثيرونها عليها، «قضية تشويه التراث الفني» وهي تأخذ عادة شكل حملة من الهجوم الإعلامي على بعض الإعلانات التجارية التي تزدحم بها الشاشات في هذا الشهر الكريم، في إلحاح يثير الملل ويقطع استمتاع المشاهدين بمتابعة وقائع المسلسلات التليفزيونية، وهي - فضلاً عن ذلك - إعلانات تتخذ من كلمات وألحان الأغاني الكلاسيكية، التي ترسخت في وجدان المستمعين على امتداد أجيال، موضوعا للدعاية للسلع الغذائية وغيرها، لتتحول بعض ألحان «محمد عثمان» و«عبده الحامولى» و«سيد درويش» و«محمد عبدالوهاب» و«رياض السنباطى» و«زكريا أحمد»، ويجري تحوير كلمات الأغاني والقصائد التي ألفها «يونس القاضي» و«بيرم التونسي» و«حسين السيد» و«على محمود طه» ولحنها - أو غناها - هؤلاء، إلى إعلانات تجارية تتغنى بمنافع وأسعار، أنواع من الشاي أو المسلي أو الألبان أو الأجبان أو الصابون أو شركات تقسيم الأراضي وإقامة المنتجعات، ويختلط التغني بالوطن أو التغزل في عيني الحبيب أو الشكوى من هجره أو ظلمه في هذه الأغنيات، إلى غزل في مسحوق الصابون الذي يغسل أكثر بياضا، وتغنٍّ بالمعجون الذي يقي من تسوس وحساسية الأسنان!
وكان من بين الإعلانات التي شوهت «التراث الفنى» في موسم رمضان لهذا العام، طبقا لما قاله هؤلاء، إعلان اتخذ من أوبريت الليلة الكبيرة، الذي كتب كلماته «صلاح جاهين» ولحنه «سيد مكاوى» وظلت أجيال تستمع إليه وتتمتع بترديد كلماته وألحانه، موضوعا لإعلان عن إحدى شركات الاتصالات، احتشد للغناء والتمثيل والرقص فيه، كوكبة كبيرة من النجوم، كان من بينهم «حكيم» و«شيرين عبد الوهاب» و«ليلى علوى» و«إسعاد يونس» و«منة شلبى» و«سمير غانم» و«شريف منير» و«أشرف عبدالباقي» و«أحمد السقا».. إلخ، تسابقوا في تحوير كلمات هذه اللوحة الفنية الجميلة التي تتغنى بموالد أولياء الله، إلى كلمات تتغنى بالمأدبة الرمضانية الحافلة بأنواع الأطعمة، وبما تقدمه شركة الاتصالات من خدمات لمن يتعاملون معها، كما كان من بينها إعلان آخر، اتخذ من أغنية «ظلموه» - التي غناها عبد الحليم حافظ - أساسًا لإعلان آخر.
ما يلفت النظر هذا العام، أن الحملة ضد «تشويه التراث الفني» لم تكن بالحدّة، التي كانت تحدث في سنوات سابقة، ربما لأن شركات الإعلانات قامت بالواجب الذي لم تكن تقوم به من قبل، فوضعت في عينيها حصوة ملح، وبدأت تدفع حقوق الملكية الأدبية والفنية لأصحاب الحق من ورثة مبدعي هذه المصنفات، فصمتوا عن الكلام في الموضوع، تطبيقا لقاعدة «أطعم الفم تستحي العين»، أو لأن هذه الحقوق قد سقطت بمرور المدة الزمنية، التي تحولها إلى تراث يدخل في نطاق الملكية العامة، وربما لأن الأجيال الحالية قد أصبحت أقل تحمسا للحفاظ على التراث، مما كانت الأجيال الماضية.
والحقيقة أنني لم أتحمس لهذا النوع من الحملات، وباستثناء اهتضام حق المبدعين أو ورثتهم في الحصول على حق الأداء العلني عن استغلال مصنفاتهم، فقد نظرت إلى هذه الأعمال - حتى لو كانت إعلانات - باعتبارها أعمالا فنية، يجري تقييمها طبقًا للأسس الفنية، فالإعلان عمل فني في جوهره، وكما أن هناك أغنيات ركيكة في كلماتها وفي ألحانها، فهناك إعلانات فقيرة في خيالها، يفتقد صناعها إلى الحد الأدنى من القدرة على الإبداع الفني، وتتسم بفجاجة في الذوق، وتسيء بالفعل إلى الأعمال التراثية التي تقلدها.. والعكس صحيح.
وكان وراء عدم حماسي لهذا النوع من الحملات، تنبهي لحقيقة أن ديوان الشعر العربي في كل العصور، عرف ألوانا من القصائد تعرف بـ«المعارضة» أو «التشطير».. إلخ، حيث يقوم شاعر بنظم قصيدة، يستخدم فيها الوزن نفسه والقافية ذاتها، اللذين استخدمهما شاعر آخر، ينتمى للعصر نفسه أو لعصور سابقة، يعارض بهما مضمون القصيدة التي كتبها سلفه، أو يقوم باستخدام شطر من أشطار أبيات تلك القصيدة، ويكمله بشطر آخر من عنده، على الوزن نفسه والقافية نفسها.
ومن أشهر هذه الأشكال قصيدة «البوصيرى» الشهيرة «البُردة» التي يمدح فيها الرسول والتي سار على نهجها عدد من الشعراء في مختلف العصور، كان من أبرزهم أمير الشعراء أحمد شوقى الذي كتب قصيدة «نهج البردة» التي غنتها «أم كلثوم»، وهي تبدأ بالمطلع نفسه الذي بدأ به «البوصيرى» قصيدته وهو «ريم على القاع بين البان والعلم/‏ أحلّ سفك دمي في الأشهر الحُرم». ومن أشهر القصائد التي تجسدت فيها هذه الظاهرة، قصيدة المتنبي في هجاء «كافور الإخشيدي» التي يقول مطلعها «عيد بأية حال عُدت يا عيد/‏ بما مضى أم بأمر فيك تجديد» التي سار على نهجها «مصطفي لطفي المنفلوطى» فاستقبل الخديو عباس حلمي الثاني عند عودته من مصيفه بقصيدة يقول مطلعها «قدوم ولا أقول سعيد/‏ وملك وإن طال المدى سيبيد/‏ يذكرنا مرآك بأيام أنزلت/‏ علينا خطوب من جدودك سود» التي عوقب عليها بالسجن لمدَّة عام. ونظرة عابرة على ديوان الأغنية العربية، يكشف عن أن شعراء الأغنية، قد عارضوا أو سخروا مما كتبه أسلافهم ومعاصروهم من أغان، دون أن يتهمهم أحد بتشويه التراث، فقد غنت «فيروز» و«أنور وجدي» في فيلم «ياسمين» مونولوج «كروان الفن وبلبله/‏ مش لاقي حد يوكّله» عن نهج قصيدة «أحمد شوقي» التي غناها «عبدالوهاب» ويقول مطلعها «مضناك جفاه مرقده/‏ وبكاه ورحم عُوده» وغنى «عبدالحليم حافظ» أغنية «مبسوط يا سيدي» التي سخر فيها من دور «محمد عثمان» الشهير وحقك أنت المنى والطرب، وأضاف إلى مطلعه شطرة تقول «والله يجازي اللي كان السبب»، وتحولت أغنية فايزة أحمد الشهيرة «أنت وبس اللي حبيبي» إلى أغنية دينية في مدح الرسول، تغنيها مطربات الموالد الدينية يقول مطلعها «أنت يا طه اللي حبيبي» وسخر «شعبولا» من أغنية «عبد الوهاب» الشهيرة التي اختتم بها فيلم «غزل البنات» بأغنية غناها في فيلم «رشة جريئة» واحترف عدد من ألمع شعراء الأغنية، كان في مقدمتهم «فتحي قورة» كتابة هذا النوع من الأغاني ولم يتهمهم أحد بتشويه التراث الفني، لأن ما يقدمونه كان ببساطة لونًا من ألوان الفن!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها