النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

هل يتفق أبناء جيلي معي؟

رابط مختصر
العدد 9950 الأربعاء 6 يوليو 2016 الموافق 1 شوال 1437

 إذا لم يكن اليوم الأربعاء أول أيام عيد الفطر المبارك، فمن المؤكد أنه اليوم الثاني، في كل الأحوال لا أجد على شفتي ما أقوله استهلالاً بهذه المناسبة إلا كل عام وأنتم بخير وعسى الله الكريم أن يعوده علينا وعلى وطننا الحبيب وقيادتنا السياسية الحكيمة ورجال أمننا الأشاوس بالخير والأمن والسعادة. من المؤكد أنني لا أريد أن أفسد عليكم فرحة العيد، غير أن المآلات الموجعة التي قادتنا إليها الأحداث التي أربكت حياتنا، وأفسدت علينا ما بها من مناسبات وطنية ودينية وشخصية في السنوات الخمس الماضية تستوجب منا التذكير بالحال المزرية التي اكتنفت أعيادنا خلالها إذا ما قارناها بالأعياد والمناسبات الوطنية التي سبقتها، لعلنا نتعظ وننأى بوطننا عن الخضات الاجتماعية والسياسية التي تعيق تنمية الوطن.
 مقالنا سيأخذ منحى الحديث عن الأعياد، ولكن مقتضيات الحس الإنساني أولاً، وطبيعة مجتمعنا المتعايش المتحاب ثانيًا، لن تنسينا أن نترحم على روح الزميلة الأستاذة فخرية، المدرسة بمدرسة النور الثانوية للبنات والتي ذهبت روحها إلى باريها - وهي على ما قيل منهمكة في زحمة الانشغال بترتيبات العيد واحتياجات أبنائها وبيتها من مستلزمات العيد - على يد الإرهاب الغريب على مجتمعنا، وخلفت الحسرة في قلوب أهلها وبناتها الطالبات، راجين من الله العلي القدير أن يسبغ نعمة الشفاء على أبنائها الثلاثة الذين سيبقون شاهدين على قسوة الإرهاب الذي يعصف ببعض المناطق، ويلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان.
 من يتأمل عيدنا اليوم ويقارنه بأعياد السنوات الخمس الماضية، فإنه سوف يجد حتمًا فرقًا شاسعًا، ولكن هذا الفرق يتفاوت بين سنة وأخرى، فاحتفالاتنا بعيد الفطر في عام 2012 كانت مختلطة، أو ملطخة إذا جاز لنا التعبير، بأحزان وخوف وعدم استقرار للأمن الذي تسببت فيه الجمعيات المذهبية بقيادة «الوفاق»، هذه الجمعية المهددة حاليًا بالحضر، أما عيدنا اليوم فإنه أكثر فرحًا وأمنًا، والفضل في ذلك يعود إلى سياسية الحزم والحسم السياسي التي اتخذتها حكومتنا الرشيدة، بعد طول صبر وأناة كلفت المجتمع الكثير، ضد كل من يتلاعب بأمن واستقرار المجتمع، وللنجاحات الأمنية المتحققة على يد رجال وزارة الداخلية. لهذا نحن موعودون بعيد أكثر أمنًا وبهجة وسعادة.
 ولأقف على فكرة جديدة - من خلال هذا المقال- أشارك تداولها معك قارئي الكريم، عدت إلى مقالات كتبتها في مناسبات مماثلة سابقة وتناولت فيها نفس الموضوع، فوجدت أحدها وقد كتبته في العام الماضي وكان يتضمن وعدًا مني بأن أتناول شيئًا من ذكريات الطفولة لجيل الستينيات والسبعينيات في مجتمع صغير مثل مجتمع قلالي والمجتمعات المماثلة له. لهذا أستسمحك عزيزي القارئ أن أبتدئ بفقرة منه لأكمل ما قد وعدت بالحديث عنه. واسمح لي قارئي الكريم إن لاحظت شططًا مقصودًا في مسار قلمي عند الحديث عن بعض مظاهر اللافرح التي تثار هنا وهناك.
 قلت في ذاك المقال: «من طبيعة الزمن أنه متحرك، ولهذا فإنه يمضي من دون وعد بالعودة، ولكن مناسبات الأعياد التي يحملها تأبى أن تغادرك قبل أن تترك فيك بعضا من عبقها وتثير من حولك أريجها، وتدخلك مرغمًا في «حبس» تفاصيل يومياتها التي ستكون دفترًا زاخرًا بالذكريات الجميلة تتصفح أوراقه كلما لامس قلبك حنين شفيف إلى الماضي وتفاعل ناسه الطيبين مع معطيات واقعهم في مختلف مواقعهم في السلم الطبقي أو الخريطة الاجتماعية».
 لعيد الفطر في ذاكرة كل منا رائحة مميزة مثلما للزهور شذاها، فالعيد مناسبة لبعث السعادة والفرح وإشاعة البسمة على محيا الصغار والكبار، النساء والرجال، تأتي محمولة على كتف الزمن، لترتمي في حضن الإنسان وتدعوه بأن يستغلها في تغيير مزاجه.
 الأمثلة، على ما تكتنزه الذاكرة من المشاهد والصور والأحاديث بشأن العيد، كثيرة، فلا بأس لو أننا جلنا في تفاصيل اليوم الأول، لنعطي القراء من الجيل الحالي فكرة. نصحو فيه باكراً في هذا اليوم، وهو اليوم الوحيد الذي نصحو فيه من دون أن يزجرنا آباؤنا وأمهاتنا استعجالا على الاستيقاظ من أجل الذهاب إلى شراء الخبز في الصباح الباكر «للريوق» مثلا، ونلبس ملابسنا الجديدة ونرافق آباءنا إلى أداء صلاة العيد. بالنسبة إلي لم يسبق أن رافقت والدي في فترة الطفولة لهذه الغاية، لأن أبي ببساطة يكون دائما في أول أيام العيد وثانيهما في المملكة العربية السعودية، وتحديدًا الخبر الجنوبية (صبيخة) حرصًا منه على عدم التفويت في مناسبة كهذه، ففيها تكون حركة الشراء والبيع على أشدها، وهذه فرصة ينبغي اقتناصها، بصفته صاحب تجارة، ولديه دكان يبيع فيه الملابس وغيرها.
 بعد صلاة العيد ننطلق نحن الأطفال إلى بيوت الأعمام والأهالي المتواجدين في نفس المنطقة. نبدأ بالتخلص، شيئًا فشيئًا، ممن يكبروننا سنًا حتى نكون مجموعات عفوية، يتفق أفرادها فيما بينهم على مسح جميع بيوت القرية، بادئين بمن يعطي عيدية أكثر. وعندما يحين وقت الضحى نكون قد «مشطنا» كل بيوت القرية، فنستعد لـ«تعقب» رجالها طلبًا لمزيد من العيادي. في عصر يوم العيد نجهز أنفسنا لمرافقة فرقة عرضة قلالي إلى الرفاع لنستمتع بالأغاني وبسجالات السيف بين أحمد الحمر وخالد المناعي، بعد كل «تثويرة» بارود يقوم بها «بوعوش». ينتهي يومنا بالليل ونعود إلى القرية منهكين من اللعب بسعادة غامرة. هذا تكثيف لمجريات اليوم الأول من أيام العيد. كان ذلك يومًا «قلايليا»، وأستسمح مجاييلي من أهل قريتي الستينية والسبعينية إن تاهت بعض من تفاصيل اليوم الأول هذه بفعل التقادم.
 مهم تذكر وذكر مثل هذه المشاهد والصور التي تحكي فرحًا غامرًا قد كنا عشناه وعايشناه ونستذكره مع كل عيد، لكن الأهم هو أن بوح الذاكرة هذا يطرح سؤالاً مهمًا هنا مفاده «ما العيد إذا لم يكن فرحًا وسعادة ترتسمان على وجوه الأطفال، وذاكرة تفيض بالصور والمشاهد؟» ومن قلب هذا السؤال يقفز سؤالان آخران الأول: «من يصنع هذه السعادة وهذا الفرح، ومن يملأ الذاكرة بالصور والمشاهد؟». والثاني: «كيف استطاعت العوائل والأسر القليلة العدد، في قرية قلالي مثلا، أن توفر كل هذا الكم من الفرح، وعلى مدى أيام سبعة، وليس ثلاثة كما هو الآن شائع؟» بعد غد الجمعة، سوف ننبش الذاكرة لنتحدث عن هذا الفرح وبعض مظاهر الاستعداد له.
 لا يخالني شك في أن كل من عايش تلك الأعياد يحتفظ بذكراها وتأبى تفاصيلها مغادرته. وفي اعتقادي أن ذلك هو سبب كافٍ ليعطي أبناء جيلي الحق في القول إن أعيادنا تختلف عن أعياد الأجيال الأخرى فكم الفرح والسعادة كان فيها أكثر بالتأكيد! فهل يتفق أبناء جيلي معي في ذلك؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها