النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

في مواجهة العقم الطائفي...

لحظة الخلاص من الخراب المقيم

رابط مختصر
العدد 9948 الإثنين 4 يوليو 2016 الموافق 29 رمضان 1437

بينت المرحلة السابقة الممتدة من بين انشاء الجمعيات السياسية وحتى انفجار الازمة المفتعلة في 2011م وما تلاها، عقم البناء الطائفي للجمعيات السياسية التي اختارت العزلة والارتكاز على بطانة الخطاب الديني-الطائفي كلغة ومرجع وشرعية لتمرير مصالحها الضيقة، بدلاً من الارتكاز على شرعية البرامج والمنجزات العقلانية.


ولذلك سبق وأن حذرنا من مخاطر تغلغل الطائفية السياسية والخطاب السياسي والاعلامي الطائفي، لأنه كان واضحًا منذ البداية الدور التدميري لتلك الجمعيات المنتجة للبؤس الطائفي لغة وممارسة، وما فعلته في المجتمع من فتك بالنسيج الاجتماعي الوطني، وهذا ما حدث بالفعل، حيث تطاولت الطائفية على الدولة بدستورها وقوانينها ونظامها السياسي - الاجتماعي، بل حتى على الثوابت الراسخة، وبدأت تعلن انه لا دولة ولا دستور ولا شرعية إلا ما تراه وما تفرضه على الأرض.


صحيح أن طبيعة النسيج المجتمعي في البحرين ليس استثناءً لما هو سائد في أغلب بلاد العرب، حيث القاعدة هي التعدد والتنوع والتعقيد لماهيات إثنية ودينية وطائفية تعيش منذ قرون في نوع من الانسجام والصفاء في الزمان والمكان، والانتماء إلى نمط عيش وتاريخ مشترك تحت مظلة وحماية الدولة وبشراكة الناس وتعاونهم، إلا ان الطائفية المستحدثة في تقاطع تام مع التاريخ والواقع، ولذلك استنجدت باستحضار تاريخ الأوهام الذي تصول وتجول فيه النزعات الطائفية والتي تعلن صراحة: «إما نحن وإما أنتم»، وهو بالضبط الشعار الذي يترجم شعارا أكثر خطورة وأنانية وانعزالية:

«أنا ومن بعدي الطوفان» لتشيِّد عالمها الخاص مكان الوطن الجامع والتاريخ المشترك في هيئة مناوشات وشعارات وحروب تدميرية عقيمة وصراعات مفتعلة، وعليه فإن المؤذنين لفظيا بمعاداة الطائفية واللاعبين وفق منطقها -مهما كانت مواقعهم وطوائفهم- هم اخطر على الناس والوطن من أولئك الذين يعلنون صراحة بأنهم طائفيون وأنهم يريدون اقتسام موارد الوطن ومناصب السياسة فيه بناء على المحاصصة الطائفية، فلا مجال،

والحالة هذه، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة شكلا تغطي بها جوهرها الأيديولوجي المتخفي، فمهما أطلق الطائفيُّ على نفسه من مسميات سياسية، إسلامية او قومية او يسارية او ليبرالية، فهو في النهاية يرفض البديل الديمقراطي الحقيقي الذي جوهره التعددية الفكرية والتسامح والقبول بحتمية العيش المشترك والمواءمة السياسية، والخطر الحقيقي يتأتى من هذا النوع من الازدواجية القائمة على «عقيدة» استعلائية – تطهيرية، تصنف الآخرين «عدوا» ولا ترى الحاجة إلى أي نوع من الشراكات، وبالتالي تحارب أول ما تحارب المواطنة، باعتبارها عدوًا لدودًا للطائفية.


إن الطريق إلى الجماهير لا يمر بالضرورة عبر الطوائف، وقد جرب اليساريون والاسلاميون في أكثر من قطر عربي تخطي الطائفة الى الجماهير ومحاولة استقطابها بعيداً عنها، ولكنهم لم يحققوا إلا قدراً قليلا من النجاح. بل جربوا، وبكامل إرادتهم، التحالف مع الطائفية خلال الاحداث التي شهدتها البحرين في 2011م وما تلاها - حيث احتمت الأحزاب (المفترض انها مدنية وعدوة للطائفية) بالطوائف،

فوجدت نفسها متورطة في وحل الطائفية ومستنجدة بلغتها ومحتمية بجمهورها، وحتى الكلام الفارغ الذي كانت تروجه جماعات الحلف المقدس مع الطائفية بان تحالفها مع القوى الدينية الطائفية كان بنية إصلاحها، فقد كان في الحقيقة حيلة برجوازية صغيرة بائسة، تفتقر الى الذكاء، فإذا كانت الطائفة مستودع الجماهير الأوحد للبرجوازيين الصغار الذين انحجبوا عن المواطنين نتيجة عيشهم في فقاعة الشعار وتمسكهم بمنطق الحتميات المطلقة،

فإن الخطر الأكيد من مثل هذا التحالف يرجع الى ان هؤلاء البرجوازيين الصغار -وهم يتوهمون الدخول في حلف اصلاح الطائفيين- يكونون قد سلموا مقدمًا بأعراف الطائفة المعروفة الثقيلة على النفس، وقد رهنوا نحالفهم مع الأحزاب الطائفية بإصلاحها، بما يضمن لهم جماهيرية الطائفة دون مقتضياتها، وهذه انتهازية برجوازية صغيرة مضحكة تفتقر الى الحكمة السياسية والواقعية. 


وقد أشفقت دائماً على أصدقائنا في اليسار الذين أهدروا وقتًا طويلاً في حلف الانتهازية ا فوجدوا انفسهم أسرى هذه الطائفية المحرجة لهم، وحتى لما أرادوا الفكاك منها في مفاصل ولحظات ومواقف معينة لم يستطيعوا الخروج من ورطتهم.


لقد بينت التجربة الانتخابية على سبيل المثال في 2006 وفي 2010 و بما لا يدع مجالاً للشك بان الحزب الطائفي لا يستطيع ان يعطي فرصة لحلفائه الصغار في الدوائر المختلطة - حتى من باب تأليف القلوب- للحصول على مقعد نيابي واحد، لأنهم في النهاية ليسوا من فريق المؤمنين، ولذلك لا يجب منحهم صوتًا واحدًا، فهذا الحزب لا يمكن ان يتحرر من شعار المؤمنين والكافرين، ولذلك عمد الى فتاوى الفقهاء بان مرشحي أحلافهم الصغار هم من (الكفار تقريبا)، وهكذا سقط الدكتور حسن مدن في دائرته على سبيل المثال فقط، بالرغم من كونه كان على باب قوسين أو ادنى من الفوز.


لقد كنا نقول صراحة لبعض أصدقائنا من اليسار البحريني: إن هذا التحالف كارثة حقيقة على الحركة الوطنية وعلى الحداثة ومدنية الحياة السياسية، فليس بعد اختيار اليسار رجعة الى الوراء مثل هذه الرجعة إلاّ ما كان من قبيل العودة الى السخافة السياسية، وليس اليسار هنا محطة النهاية بالطبع، ولكن الارتداد الى ما تخطاه المرء عن علم وممارسة هو نكسة بكل المقاييس. 
إن المطلوب اليوم - لمن بقي عنده ذرة من وعي وضح حد لهذا الحلف الغريب، والعمل على بذل جهد وطني لمنع انتقال تأثير هذا الخراب المقيم إلى عقول الناس، وخاصة الناشئة، ودعوة الطائفيين - المكشوفين منهم والمتسترين - أن يكفوا عن اللعب بالجمر من خلال برامج الخراب التي تقوم عليها أحزابهم وجمعياتهم، وذلك لان الخيار بين الطائفية والوطن هو بالضبط الخيار بين الحياة والموت.
 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها