النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

أول أوروبــي يعتنـــق الإســـلام

رابط مختصر
العدد 9938 الجمعة 24 يونيو 2016 الموافق 19 رمضان 1437

ولد في مدينة بريستول الواقعة في غرب بريطانيا لأبوين بريطانيين في سنة 1872. وعلى الرغم من ولعه بالقراءة وتثقيف نفسه ذاتيا منذ طفولته، إلا أنه كان صبيا مشاغبا يهوى تسلق الاشجار والهروب المتكرر من البيت، الأمر الذي اضطر والده معه إلى الاستجابة إلى نصيحة من أخيه بضرورة إرساله بعيدا في رحلة بحرية شاقة على ظهر سفينة شراعية من سفن نقل البضائع، علـّه يتعلم خشونة الحياة فتستقيم أموره.
وعليه فقد اتفق الأب في عام 1885 مع قبطان إحدى السفن المتجهة إلى الولايات المتحدة أن يأخذ ولده، الذي لم يكن قد تجاوز حينذاك سن الثانية عشرة، معه على ظهر سفينته، مع توصية بضرورة التعامل معه بصرامة.

 


وهكذا سافر الصبي مجبرًا، وهو لا يدري إلى أين تتجهة سفينته؟ أو ماذا سيكون مصيره؟ لقد ظن في باديء الأمر أن السفينة متجهة إلى أستراليا لأن العادة جرت وقتذاك أن ترسل بريطانيا كل من تريد التخلص منه من المشاغبين إلى تلك المستعمرة البعيدة. وسرعان ما اكتشف أنه أصغر بحارة السفينة سنا، وأن رحلته ستطول كثيرا، وأنه مقبل على تجربة صعبة ومريرة، خصوصا بعدما عاقبه قبطان السفينة ذات مرة بربطه ربطا محكما في أعلى سارية من السواري عقابا له على تقاعسه عن العمل. ولإن مثل تلك العقوبات تكررت، فقد وضع الصبي خطة للهرب بمجرد رسو السفينة في الميناء التالي. وبالفعل فقد فر الصبي إلى عالم الحرية المجهول حينما توقفت السفينة في ميناء ساندياغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية،

على الرغم من جهله التام بخرائط تلك المدينة التي لم تكن بعد مزدهرة كحالها اليوم، ناهيك عن عدم إمتلاكه اي مبلغ ينفق به على مأكله ومسكنه. غير أن الصبي العنيد المجبول على حب المغامرة رضي بقدره، فاشتغل أولا في تقليم الأشجار الذي استطاع من ورائه جمع مبلغ من المال يبقيه على قيد الحياة، ثم سار مشيا على الأقدام من ساندياغو إلى سان فرانسيسكو التي استقر بها لبعض الوقت وتحول فيها إلى «كاوبوي» يدجن ويقود الخيول الشرسة في إحدى المزارع الكبيرة. كان هذا قبل نحو عقدين من انتشار حمى البحث عن الذهب في ولاية كاليفورنيا التي استقطبت، لهذا السبب، آلاف الناس من كل مكان. في هذا المنعطف أدرك صاحبنا أنه من الأفضل له أن يترك حياة «الكاوبوي» ويتجه نحو التنقيب عن الذهب.

 

 

وبالرغم من صعوبة العمل في هذا الميدان الغريب عليه، إلا أنه استطاع أن يحصل، مع زميلين من زملائه الأمريكيين، على إمتياز لأحد مناجم الذهب الذي باعوه لاحقا بربح معقول، كان نصيبه منه 200 دولار.
في هذه الأثناء علم بمشروع قناة بنما، وبوفرة العمل فيه بأجور مجزية، فاتجه إلى هناك من نيويورك التي كان قد وصلها للاستكشاف. في بنما عمل صاحبنا في وظيفة مشرف على العمال، واستمر فيها سعيدًا إلى أن تفشى مرض الملاريا في المنطقة، وهو ما أجبره مع بعض اصدقائه الأمريكيين على ترك المكان سريعًا، والتوجه إلى كاليفورنيا حيث عملوا في حقل لجمع الفواكه قبل أن يقرروا مع انتهاء موسم الحصاد تأسيس فرقة مسرحية متنقلة تعرض أعمال السحر والحركات البهلوانية.


كانت مهمة صاحبنا في هذه الفرقة الاستعراضية هي الملاكمة التي برع فيها الى حد أن الجمهور أطلق عليه لقب «قنبلة بريستول» نسبة إلى مسقط رأسه. لكن تلك البراعة لم تنقذه من هجوم تعرض له في الحي الصيني China Town بسان فرانسيسكو، وهو في سن التاسعة عشرة، حيث سقط مغشيا على وجهه. وحينما استعاد وعيه وجد نفسه على ظهر سفينة من سفن صيد الحيتان المبحرة نحو المنطقة القطبية الجنوبية. 
اضطر صاحبنا أن يجاري الوضع ويتكيف معه، فتفانى في عمله في صيد الحيتان والتزم بكل ما كان يؤمر به مما جعل ربان السفينة يأمر بترقيته ويكافأه. وعندما عادت السفينة إلى سان فرانسيسكو كانت شهرته في الصيد قد سبقته إلى هناك. 


بعد هذه المغامرة، انتقل إلى جزر كارولينا في البحار الجنوبية للعمل في إحد المراكز التجارية هناك. كانت هذه الجزر تحت سيطرة الأسبان، فلما ثار سكانها كان صاحبنا واحدا ممن ألقت السلطات القبض عليه بتهمة بيع البنادق للثوار، بل تم إرساله إلى معتقل في مانيلا بالفلبين التي كانت وقتذاك تحت السيطرة الأسبانية، قبل أن يتمكن من الهرب من سجنه بعد دفع رشوة للسجان. ولحسن حظه أن القنصل الأمريكي في مانيلا «الكسندر روسل ويب» تعاطف معه بشجاعة ودبر له رحلة للهرب إلى هونغ كونغ على ظهر إحدى السفن البريطانية، في الوقت الذي لم يتدخل قنصل البلد الذي كان يحمل جنسيتها، وهو بريطانيا، في الموضوع لا من قريب أو بعيد.


وهكذا انتقل من الفلبين إلى هونغ كونغ، ومنها إلى بومباي، حيث إلتحق بسلك شرطة حكومة الهند البريطانية في عام 1891 واجتاز كافة الامتحانات والتدريبات بنجاح، ومن بومباي تم إرساله للعمل في سلك الشرطة في عدن، لتكتب للشاب حياة جديدة مختلفة وليدخل التاريخ كأول أوروبي يعتنق الإسلام.
ما سبق كان جزءا من سيرة البريطاني «وليام ريتشارد وليامسون William Richard Williamson»، الذي تسمى من بعد إسلامه باسم «عبدالله بن فضل المسلماني» (بعض المراجع تعتمد اسم عبدالله بن فاضل نقلا عن الانجليزية، بينما الأصح هو عبدالله بن فضل، لأن وليامسون إختار إسم فضل كإسم ثان له تيمنا باسم حاكم لحج «فضل بن علي» الذي شهد اعتناقه الإسلام وقربه) وقد اعتمدنا في سرد سيرته على مراجع عدة منها: الحوار الذي اجراه الاعلامي الكويتي ممدوح العنزي مع الإبن الأكبر لصاحب السيرة «عبدالمطلب بن الحاج عبدالله المسلماني»،

ثم نشره في كتابه «منارات كويتية» الصادر في عام 2011. ومنها أيضا: موقع الموسوعة الحرة، وموقع تاريخ الكويت الإلكتروني، والموقع الالكتروني لصاحب السيرة، وكتاب «المغامر العربي: قصة الحجي ويليامسون Arabian Adventurer, the Story of Haji Williamson» من تأليف الصحافي والكاتب البريطاني «ستانتون هوبStanton Hope « الذي كان قد إلتقى بالرجل في البصرة في عام 1940، ثم أصدر كتابه في عام 1951.


ركب ويليامسون الباخرة «SS Siam» من بومباي قاصدا عدن، وفي أثناء رحلته قرأ لعدة مرات كتابا عن الدين الإسلامي من تأليف شخص اسمه «كوبليم» كان قد اعتنق الإسلام، فتأثر بمحتويات الكتاب، وصار، كلما رأى وسمع بعض بحارة الباخرة من المسلمين يؤذنون للصلاة ويؤدونها، تطلعت نفسه لمعرفة المزيد عن هذا الدين. لذا فإنه بمجرد أن وطأت قدماه أرض عدن راح يخالط العرب والمسلمين ويستفسر عن دينهم وكيفية اعتناقه، وبعد فترة عام من التحاقه بأحد المعاهد لدراسة الدين واللغة العربية، أفصح لصديقه ومترجمه الصومالي «حسن علي» أنه يرغب في إعتناق الإسلام، فتولى الأخير إعداد المراسم اللازمة عبر تجهيز دابتين في أحد الأيام من سنة 1892 للإنتقال إلى سلطنة لحج القريبة من عدن من أجل أن ينطق الرجل بالشهادتين أمام قاضي لحج الشرعي وسلطانها «الفضل بن علي». في أعقاب ذلك خضع وليامسون، وهو في سن العشرين، لعملية التطهير، ثم قام بتغيير إسمه إلى «عبدالله بن فضل» قبل أن يضيف إليه في فترة لاحقة لقب المسلماني.


والحقيقة أن اعتناق الرجل للإسلام لم يلق ترحيبا من السلطات الاستعمارية البريطانية في عدن. ولهذا السبب قامت تلك السلطات بترحيله إلى بومباي، وهناك تم تجريده من عمله في سلك الشرطة، كما لم يـُسمح له بالعودة مجددا إلى عدن مثلما كان يرغب. وهكذا ظل ويليامسون في بومباي لبعض الوقت، مارس خلاله التجارة التي عرفته على أعيان وتجار الخليج المقيمين في الهند. كان من بين أبرز التجار الخليجيين الذين تعرف عليهم الرجل الشيخ «يوسف عبدالله الإبراهيم»، تاجر اللؤلؤ وخال آل صباح حكام الكويت.

وقد استطاع الإبراهيم، رغم كل المحاذير والمراقبة البريطانية، أن يهرّب ويليامسون إلى البصرة على ظهر المركب التجاري «بانكورا» على أنه سائس خيل من عماله، خصوصا وأن هيئته وملابسه وصبغته البرونزية ولحيته السوداء كانت تنفي انتماءه إلى الاوروبيين. لكن وشاية من احدهم للسلطات البريطانية جعلت الاخيرة تترقبه في البصرة لتمنع نزوله هناك ولتعيده من حيث أتى على ظهر الناقلة نفسها.


وبينما كانت السفينة «باكورا» عائدة إلى الهند، تذكر ويليامسون دعوة الابراهيم له ذات مرة بالقدوم إلى الكويت والحلول ضيفا على آل إبراهيم، فقرر أن يهرب من السفينة وقت إبحارها بمحاذاة ساحل الفنطاس، وهو متنكر في ملابس سائس خيل. ومن حسن حظه أنه لم تكن هناك بعد اتفاقية بين الكويت وبريطانيا لتسليم رعايا الأخيرة.
استقر وليامسون في الكويت، وأحبها كثيرا، وتماهى مع عاداتها وتقاليدها، وتعرف على رجالاتها وديوانياتها، وواظب على تعلم العربية والاستزادة من تعاليم الإسلام.

كما اتيحت له الفرصة لزيارة الصحراء والبادية والمدن القريبة مثل الزبير، فعكف على دراسة عادات البدو ولهجاتهم وأنسابهم. كما وأنه أطلع كثيرا على ما يخص الجياد فأصبح خبيرا في الجياد العربية، بل جعل منها مصدرا لرزقه، إذ كان يشتري الجياد من سوريا والعراق وبلاد فارس ويبيعها للجيوش البريطانية في الهند. غير أن الخلافات التي حدثت داخل اسرة آل صباح، وما نجم عنها من مشاكل بين «يوسف الإبراهيم» والشيخ مبارك الصباح من تلك التي أجبرت الأول على الخروج من الكويت للإقامة في البصرة، جعلت ويليامسون يلتحق بصديقه الإبراهيم في البصرة.


وبعد رحلات طاف خلالها ببلاد فارس وبلوشستان وأفغانستان، إضافة إلى عمان وظفار وحضرموت وصنعاء ونجران والحجاز والقدس، استحب الرجل، منذ مطلع القرن العشرين العيش في الصحراء بين القبائل، خصوصا بعدما أجاد اللهجات العربية بطلاقة. فعاش هناك مع جواده العربي الأصيل وجماله الثلاثة وصقره وعبده النوبي. وفي هذه الأثناء ظهر في بادية العراق مرض الكوليرا، فاستعان به شيخ قبيلة المنتفق في مكافحة المرض، فقبل الرجل التحدي، واستطاع أن يقنع أفراد القبيلة بتغيير بعض سلوكياتهم البدوية من أجل محاصرة المرض والحيلولة دون انتشاره، لكن الثمن الذي دفعه هو إصابته شخصيا بالكوليرا التي استطاع أن يشفى منها.


وفي هذه الفترة كان قد بلغ سن الرابعة والعشرين فقرر أن يحقق أمنيته في زيارة بيت الله الحرام. وهكذا انضم في عام 1894 إلى آخر قافلة حجيج كبرى انطلقت من الكويت سيرا على الأقدام باتجاه مكة المكرمة قبل إستخدام المواصلات الحديثة، وكانت القافلة مكونة من ثلاثة آلاف حاج، وعدد كبير من الجمال والخيول الحاملة للخيام والمؤن والزاد بدليل أن طولها بلغ ثلاثة أميال.
وقد شاهد الرجل في رحلة الحج هذه الكرم العربي الأصيل في أوضح تجلياته، وذلك حينما مرت قافلة الحجيج بحائل، فاستضاف أميرها وقتذاك «محمد عبدالله الرشيد» الثلاثة آلاف حاج على وليمة غداء كبرى.

أما في مكة فقد شارك وليامسون في جميع شعائر الحج من غسل الكعبة الشريفة الى الطواف والسعي والوقوف على جبل عرفات ورمي الجمرات والأضحية وغيرها. فكان أول غربي يؤدي كامل شعائر فريضة الحج علنًا وجهارًا ومن قلب مفعم بالإيمان والإخلاص، علما بأنه أعاد الكرة وأدى فريضة الحج مرتين بعد ذلك في عامي 1898 و1936، الأمر الذي استحق معه لقب الحاج عبد الله عن جدارة.


بوفاة الشيخ يوسف الإبراهيم في عام 1908، تلاشت المعارضة لولاية الشيخ مبارك الصباح على إمارة الكويت كما هو معروف، وقد ساعد هذا على عودة وليامسون الى الكويت التي احبها وعشق أهلها ومجالسهم. وكان أول ما فعله هو شراء بيت لسكناه بالقرب من بوابة الجهراء، وذلك قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وأثناء هذه الفترة عاوده الحنين إلى البحر الذي خاض غماره أيام صباه، فاستأجر سفينة بحمولة 30 طنًا، سماها «فتاح الخير» وراح يستخدمه في صيد وتجارة اللؤلؤ بتشجيع ودعم من تاجر اللؤلؤ الكويتي المعروف «هلال فجحان المطيري». لكن بعض المصادر تلمح إلى أن الرجل ومساعده مصطفى اشتغلا في مجال تهريب السلاح الذي كانت السلطات البريطانية تقاومه وتكافحه وتحاكم من يتورطون فيه.


باندلاع الحرب العالمية الأولى ترك ويليامسون الكويت عائدًا إلى العراق. وبدلاً من أن تعتقله السلطات البريطانية بتهمة الاتجار بالسلاح، رحّبت به وأكرمته. والسبب أن البريطانيين أرادوا استثمار خبراته الواسعة وعلاقاته المتشعبّة ومعرفته باللهجات والعادات والقبائل في التجسس لصالحهم ضد الأتراك العثمانيين. ودليلنا هو ما قالته أم سعود (فيوليت ديكسون) زوجة المستعرب الكولونيل ديكسون من أن وليامسون أخبرها انه عاد إلى بغداد خلال الحرب وتنكر بزي الخدم ودخل حفلة كان يقيمها القائد التركي على ضفاف دجلة، فتمكن من جمع معلومات مهمة والخروج دون أن يثير انتباه أحد.
بعد انتهاء الحرب عمل ويليامسون مفتشًا في شركة النفط الانجلو إيرانية.

وقد ساعدته شهرته ومعرفته بأحوال المنطقة وعلاقاته بحكام وعائلات الخليج والجزيرة العربية ولغته العربية على التجوال في المنطقة كدليل ومترجم ومستشار للجيولوجيين والشركات العاملة في أعمال التنقيب عن النفط، بدليل أنه عمل كمساعد ومترجم لـ«أرشي تشسهولم» في شركة النفط الإيرانية - الإنكليزية بالكويت خلال مرحلة المفاوضات الصعبة للحصول على امتياز التنقيب عن النفط، مما أكسبه شهرة لجهة دوره في تهيئة المنطقة لدخول عصر النفط.

ومن آيات هذه الشهرة أنه لعب أدوارًا في مفاوضات إمتيازات النفط في قطر في عام 1934، ثم في أبوظبي في عام 1935، ثم في دبي في عام 1936. كما أن عمله مع شركة الزيت الأنجلوإيرانية ما بين 1924 و1937 أتاح له قيادة البعثات وتأسيس الوكالات على ضفتي الخليج العربي وتفقدها والاشراف على بناء مستودعات النفط الصغيرة. ونظرًا لمعرفته الوافية بالسواحل في منطقة الخليج فقد اعتمد عليه الكومندور البريطاني جالبن من الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار BOAC في اختيار الامكنة ومسحها واعدادها لتصبح مهابط للطائرات في الاحوال الطارئة للطائرات المائية العاملة على خط الهند.


حينما تقدم به السن اختار أنْ يتقاعد في بستانه الكبير الذي اشتراه في «كوت الحجاج» بالقرب من البصرة، وانحصر نشاطه في السير على الاقدام وسط الأزقة الضيقة، ومجالسة أهلها الذين كانوا يوقرونه ويحترمونه، ورعاية أولاده وأحفاده، واستقبال زواره العرب، والعناية بأشجار النخيل والبرتقال، والمحافظة على أداء الصلوات الخمس في جامع العشار، واستمر على هذا الحال حتى توفي في عام 1958، تاركًا خلفه أبناءه الثلاثة والعديد من الأحفاد الذين لايزال بعضهم احياء (جلهم في العراق وواحد في الكويت)


يقول ولده الأكبر عبدالمطلب في كتاب «منارات كويتية» المنوه عنه آنفًا (ص 182): «تزوج والدي من ثلاث فتيات عربيات الأولى من عرب الظفير(اسمها نورة) ولم ينجب منها، والثانية والدتي سارة ناصر صالح السعدون من عرب المنتفق وقد انجب منها عبدالمطلب وأحمد ومحمد، والثالثة بدوية (اسمها زهرة) لا نعرف من أي قبيلة ولم ينجب منها».
كما أخبر عبدالمطلب بن الحاج عبدالله المسلماني المدون أحمد بن محارب الظفيري بأن والده كان يعشق الجياد العربية ويهتم بها اهتماما جما، وكانت لديه فرس جميلة من نوع «الكحيلات» عزيزة عليه بدليل أنه كان يوصي سائس خيوله باطعامها طعاما جيدا وتدفئتها وتنظيف مكانها وعدم التعسف في مخاطبتها.

ومن الدلائل الأخرى أنه رفض كل العروض التي إنهالت عليه لبيعها من التجار وشيوخ القبائل وقادة الهجانة البريطانية (ومن منهم غلوب باشا المعروف باسم بوحنيك). لكنه في شتاء عام 1938 - والحديث لا يزال لعبدالمطلب المسلماني - قال لي والدي: «جهز نفسك للسفر غدا إلى الرياض لمقابلة الملك عبدالعزيز آل سعود، وسوف نأخذ معنا الفرس الكحيلة لنقدمها هدية لـ(أخو نورة) لأنه يستحقها ويستاهلها». ويضيف عبدالمطلب قائلاً إن والده كان خلال الرحلة يرتجز الحداء التالي:


لو عادلوها بالذهب القول والله ما نبيع 
يستاهلك ملك العرب اللي على الشمية منيع
زيارة اخو نوره طرب قمرا ولياليها ربيع


وحينما وصلنا الرياض قبل الملك هدية والدي، وأجرى قرعة بين أولاده الأمراء للظفر بالفرس، فكانت من نصيب الأمير (الملك) فهد بن عبدالعزيز.
أما الأديب عبدالله محارب الظفيري فقد قال في (ص 183) من كتاب «منارات كويتية»: «حدثني الشيخ شقير بن ندى السويط رحمه الله، وهو من شيوخ قبيلة الظفير، قبل ثلاثين عاما عن المسلماني قائلا: إن الحاج عبدالله المسلماني لا يحب الحديث عن أصله الانجليزي، وأكثر الناس لا يعرفون أنه إنجليزي، فهو معروف عند أهل البادية والحاضرة باسم المسلماني ومن يشاهده لا يشك في عروبته فكأنه من أهل نجد في ملبسه وحديثه البدوي، وكان محبوبا عند شيوخ القبائل، ويحفظ الموروث الشعبي لعرب زمانه من أشعار وقصص، وهو محسوب على أسرة الإبراهيم النجدية التي تملك الكثير من بساتين النخيل في البصرة، وهو يعد نفسه واحدًا منهم لأنهم أصحاب فضل عليه».


هذا ما كان من أمر الحاج ويليامسون أو الحاج عبدالله المسلماني، الولد الانجليزي المشاغب، وراعي البقر، والباحث عن الذهب، والعامل في مشروع قناة بنما، وصائد الحيتان في القطب الجنوبي، وسجين الأسبان في مانيلا، والشرطي المسلم في عدن، وتاجر الجمال والخيول، والخبير في عادات ولهجات قبائل البادية العربية والمقاتل في صفوف قبيلة الظفير، والسائح في بلاد شبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا، ومكافح مرض الكوليرا، وصياد اللؤلؤ، وجاسوس الانجليز ضد الاتراك، والوكيل المحلي لشركات النفط، ومترجم الجيولوجيين وشركات التنقيب، ومساعد شركات الطيران في اختيار مهابط طائراتها، وصاحب بساتين النخيل في البصرة، وأول أوروبي يعتنق الإسلام ويحصل على الجنسية الكويتية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها