النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

العيش خارج التغطية لماذا يخافون الفرح والابتهاج!؟؟

رابط مختصر
العدد 9936 الأربعاء 22 يونيو 2016 الموافق 17 رمضان 1437

 يبدو لي في أحيان كثيرة أن أخص ما نفتقر إليه في أيامنا هذه هو عنصر البهجة، والاحساس بالابتهاج، فالأوضاع العامة تميل بنا إلى نوع من أنواع الاكتئاب والتجهم، وما يرد إلينا يوميًا، بل في كل لحظة، عبر الإعلام والإعلام الإلكتروني يعزز هذا المنحى السلبي، فأخبار الحروب والقتال والتدمير والانتحار والتفجير والسيول والكوارث تحيط بنا أيما إحاطة، وتنفجر في وجوها أربع على أربع وعشرين ساعة تقريبًا، ونادرًا ما يكون بين الاحبار ما يفرح ويبهج.


فالبهجة ويمكن أن نترجمها بمعنى الأنس الفرحة والسرور والانبساط والانشراح، هي ما نحتاجه أكثر من أي أمر آخر في هذه اللحظات من حياتنا، بعد أن عم التوحش والعزلة والوشايات والحروب والأمراض بكافة أنواعها وفقدان الصحة الجسدية والنفسية.


ولكن هل يمكننا ان نقاطع الاخبار وأن نعيش في فقاعة خارج التغطية حفاظًا للحصول على لحظة ابتهاج؟ هل يمكن ان نعيش خارج الصراع الاجتماعي والمعيشي اليومي لنحصل على بعض من البهجة الضائعة؟ هل بالإمكان الحصول على البهجة من داخل ذواتنا على الطريقة الصوفية، عن طريق التأمل الداخلي، للوصول الى لحظة وهمية؟ لماذا نبدو كمجتمعات تفتقر الى الابتهاج أو انها لا تجد الطريق اليه إلا عبر التصوف أو المبالغة في الاستهلاك والعبث أو عبر الجري وراء الوهم او السكر والغيبوبة؟


قال الصديق وهو يرد على هذه التساؤلات: الابتهاج قد يرتبط في مجتمعاتنا باللهو والعبث والاحتفال ومفارقة الجد والوقار والالزام بالتجهم، بما قد يراه البعض مخالفًا لنظرة محافظة من القيم، بل قد يراه البعض مخالفًا للدين. لكني أرى الابتهاج أساس لصحة الانسان، بدونه يصبح الواحد منا كتلة من النكد والامراض، فالصحة ليست فقط خلو الجسم من الأمراض بل يمكن تعريفها بأنها أشبه بحالة من الرفاه الإيجابي تتمثل في الشعور الداخلي بالبهجة طوال الوقت، وهو شعور ذاتي ولكنه يحتاج إلى أناس من حولنا يعززونه، فالبهجة إذن هي الصحة بل أزيد على ذلك بالقول إن البهجة هي الحياة اللهم اجعلنا من المبتهجين وأصدقاء للمبتهجين وقريبين من المبتهجين لعلهم يصيبوننا بعدوى البهجة..


قلت: يمكن الحصول على البهجة بطرق عديدة، بعضها يمكن عن طريق إرادي تمامًا مثل الانغماس في عمل الخير، وحب الآخرين، والتطوع من أجل الارتقاء بحياة الناس أو خدمة الأوطان، كما يمكن الحصول عليها بالانغماس في الطبيعة والاستماع إليها والاستمتاع بها ملجأ وحياة، أو عندما تكون محظوظًا فتعثر على الحب الحقيقي الخالي من المصلحة والمنطلق من الولع الدائم والرفقة اللطيفة والرغبة في السير معًا إلى النهاية، كما يمكن الحصول على البهجة من خلال طرق مزيفة مثل المسكرات والمخدرات والحبوب التي تجعل الواحد في حالة بهجة مصطنعة..


قال: أتفق معك في التوصيف، إلا أنني أستثني منه موضوع الرغبة الذي عادة ما يرتبط بالحب، لأني أراه يرتبط بالغرائز وأراه أقل أهمية في انبعاث البهجة في حياتنا.


قلت: أعتقد اعتقادًا كأنه اليقين بأن الرغبة يجب أن تكون ملازمة للحب، والدليل على ذلك أنه إذا ما انعدمت شهد الحب زعزعة قد تنتهي بموته، ولعل الطبيعة تبدو أذكى منا لأنها جعلت الحب مقرونًا بالرغبة وتجدده مقرونا بتجدد هذه الرغبة، وطبعًا لا أقصد الرغبة بالمعنى الحرفي فقط، بل أقصد الرغبة بشكلها الإجمالي الذي يشمل الغرائز والحواس والاشتياق وكل ما يرتبط بالذائقة الحسية من ألوان وروائح وافعال تلبي الحاجات وغيرها.


 قال: أتفق معك ولكني أرى أن هناك فرقًا ببن البهجة التي أقصدها والمتعة التي يبدو أنك تقصدها في هذا التوصيف! ولا أختلف معك بأن البهجة معدية يمكن أن يصاب الجميع من حولنا بها إذا كنا بصحبتهم، كذلك أعتقد أن النكد معد، مثله مثل الضحك والتثاؤب، فبمجرد معاشرة ناس نكديين نصبح نكديين مثلهم في الغالب، وإذا كان نعاشر أناسًا يميلون الى الفرح والابتهاج فإنه من المرجح أن يكون مزاجنا مثلهم في الغالب الاعم.


قلت: لماذا تستحف بموضوع الرغبة، أو التنزيل من مكانتها، باعتبارها ترتبط بالغرائز، وأرى أنه أقرب الأمور إلى حقيقة الإنسان - وإن كان الأقدر بين الكائنات على التمويه والتصعيد والتغطية - هي الرغبات بمعناها الحسي والمعنوي سواء حيث يتولد عن تحقيق الرغبة شعور بالإشباع والارتياح واللذة و... السعادة. والسعادة أحيانًا هي ما نتصوره غاية لنا قبل الحصول على موضوع الرغبة، أما عدم إشباع الرغبة فينتج عنه شعور بالحرمان والإحباط والشقاء، فهل يمكن أن يسعد الإنسان بشيء لم يرغب فيه قبلا؟ 

هل يمكن للحث عن السعادة والفرح والابتهاج أن ينفصل عن الرغبة أم أن السعادة في النهاية ليست سوى إشباع لرغبة أي شعور بالامتلاء والاكتفاء؟ فإذا كنا لا نسعد إلا بعد أن نرغب، فإن السعادة والبهجة تتعاظمان كلما كانت الرغبة المتقدمة عليهما أعظم بدورها، وإذا كان عدم تحقق الرغبة يورث مشاعر الحرمان والإحباط والإحساس بالشقاء الذي هو نقيض السعادة، فهل لنا أن نختار حياة بدون رغبات، من دون حس او إحساس؟

هل يمكن تصور حياة لا يعكر صفوها إلحاح الرغبات، أو على الأقل حياة ونمط عيش بالحد الأدنى من الرغبات على النمط الزهدي التصوفي؟ كيف تتولد الرغبات في النفس أصلا إن لم يكن أصلها مادي حسي هرموني في الغالب؟

وكيف تتولد تلك الرغبة الخاصة التي ندعوها بالهوى أو الحب الشديد أو التعلق بالأشخاص والاشياء والأمكنة؟ وعليه أعتقد إن جل الامور تتولد من مختلف الرغبات التي تتولد عن انفعال البهجة أو النفور، وأقوى ما يتولد عن انفعال البهجة من الرغبات والميول هو الحب، والعشق اللذان يرفعان من ابتهاجنا في حال التحقق ويلقيان بنا في غياهب الحزن والاكتئاب في حال الحرمان وعد التحقق. موحش عالم اليوم، بالرغم من صخبه وضجيجه وبريقه الخاطف، موحش عالم يفقد صبره للتوقف عند طفل تدهسه حافلة، أو أمام مريض سحقه الفقر والمرض الى حد التدمير! موحش عالم اليوم عندما تتحول فيه مشاعر الحب والامتنان الى بلادة بلاستيكية متخشبة..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها