النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الذين يدخلون التاريخ من الباب الخلفى

رابط مختصر
العدد 9936 الأربعاء 22 يونيو 2016 الموافق 17 رمضان 1437

التقيت بـ«اسطفان باسيلى» في بداية سبعينات القرن الماضى، وكان - آنذاك - في منتصف العقد السادس من عمره، يشغل موقع وكيل نقابة المحامين وأدهشني أنه بدا لي في صورة غير التي ترسبت في ذهني له، قبل عشرين عامًا من ذلك التاريخ إذ كنت أتصوره في هيئة الشرير التي تعودت أن أراها في أفلام السينما لذلك العهد، وأقرب إلى هيئة الممثل «رياض القصبجي» بجسمه الضخم وملامحه القاسية، فإذا بي أمام كهل هادئ الملامح خافت الصوت لا تتناسب هيئته مع الدور الذي لعبه على مسرح التاريخ، باعتباره صاحب مشروعات قوانين اغتيال حرية الصحافة، التي تقدم بها إلى مجلس النواب المصري في مثل هذه الأيام من عام 1951، وأثارت زوبعة سياسية عنيفة آنذاك، كانت هي التي دفعتنى للسعى للقائه لكي أعرف منه الظروف التي دفعته لارتكاب هذه الجريمة التي أدخلته إلى التاريخ من الباب الخلفي المخصص للخدم.. وبسببها أدرجت صحف تلك الأيام اسمه في القائمة السوداء لأعداء حرية الصحافة.


وكان «اسطفان باسيلي» في ذلك العام - 1951 - عضوًا بمجلس النواب ينتمي إلى حزب الوفد الذي كان يشكل الأغلبية الكاسحة من أعضاء المجلس، ويؤيد الحكومة الوفدية التي يرأسها زعيم الحزب «مصطفى النحاس» والتي تعرضت آنذاك لضغوط عنيفة من جهات متعددة، لكي تصدر قوانين تقيد حرية الصحافة، وتحول بين الصحف وبين انتقاد مظاهر الفساد، والتنديد بتدخل غير المسؤولين من حاشية الملك فاروق في شؤون الحكم، ولم يكن القصر هو الوحيد الذي يلح على الحكومة في إصدار قوانين تسكت ما كان الضائقون بحرية الصحافة يسمونهم بالكلاب النابحة، بل كان هناك من يؤيدهم في ذلك، ومن بينهم عدد من الوزراء في الحكومة نفسها.


وفي اجتماع عاصف لمجلس الوزراء، قدم هؤلاء الوزراء، مشروع ثلاثة قوانين أعدوها لهذا الغرض، تطلق يد السلطة التنفيذية في تعطيل الصحف بقرارات إدارية، لكي يقرها، ثم يحيلها إلى مجلس النواب لكي يناقشها ويصدرها، وتصدى لهم عدد آخر من الوزراء، اعترضوا على مشروعات القوانين الثلاثة من حيث المبدأ، لأنها تخالف السياسة الثابتة لحزب الوفد الذي كان يدافع عن حريات الصحافة وهو في المعارضة، ويحرص على ألا يتخذ إجراءات إدارية ضدها وهو في الحكم، ولأنها يمكن أن تستخدم ضد الصحف الوفدية حين يعود الحزب إلى صفوف المعارضة، واعترضوا - من حيث الشكل - على أن تتقدم الحكومة بهذه التشريعات إلى مجلس النواب لأن تقديمها لها باسمها سوف يدفع الأغلبية الكاسحة التي يحوزها الوفد في المجلس إلى تأييدها، وهددوا بتقديم استقالتهم من الحكومة إذا قدمت هذه المشروعات بقوانين باسمها إلى المجلس التشريعي.


وكان «محمود سليمان غنام» - وزير التجارة وسكرتير عام مساعد حزب الوفد - هو الذي اقترح حلا لهذه المشكلة، يتلخص في أن يتقدم أحد أعضاء مجلس النواب الوفديين بهذه التشريعات الثلاثة إلى المجلس، باعتبارها اقتراحات مقدمة منه، وبذلك تكون الحكومة قد استجابت للضغوط التي تمارس عليها من خارجها ومن داخلها لإصدارها، وحافظت في الوقت نفسه على وحدة مجلس الوزراء.. وهو حل يتيح لها إذا وافق مجلس النواب على التشريعات أن تتخلص من مسؤوليتها عن ذلك أمام الرأي العام، بأن الذي تقدم بها، هو نائب في مجلس النواب، فإذا لم تمر اعتذرت لمن يضغطون عليها بأن المجلس لم يوافق عليها.


وبدأ البحث عن نائب طيب وابن حلال، يقوم بهذا العمل الفدائي، ويقبل أن يتقدم بالتشريعات باسمه، ويتحمل نيابة عن الحكومة المسئولية عنها أمام الرأي العام، وكان «اسطفان باسيلي» بسبب الصلة الطيبة التي تربطه بالسكرتير العام المساعد لحزب الوفد هو الذى كلف بهذه المهمة، ولعله كان يتوهم أن قيامه بها سوف يرفع من مكانته في الحزب وسوف يقربه من قياداته العليا، ولكنه ما كاد يتقدم باقتراحاته إلى مجلس النواب، حتى قامت الدنيا ولم تقعد: اعترض الصحفيون جميعًا وفي طليعتهم الصحفيون الوفديون، على مشروعات القوانين، وأعلنت صحيفة «المصري» - كبرى صحف الوفد - أن الحزب لا علاقة له بها، وهاجمها علنًا عدد من وزراء الحكومة، وأعلنت نقابة الصحفيين رفضها لها، ودعت أصحاب الصحف إلى اجتماع أسفر عن صدور قرار باحتجاب الصحف المصرية جميعها عن الصدور لمدة يوم واحد، وتضامنت معها النقابات المهنية الأخرى ونقابة باعة الصحف، ودُعي المحامون إلى جمعية عمومية طارئة لفصل «اسطفان باسيلي» وفي اجتماع للهيئة الوفدية البرلمانية التي كانت تضم نواب الوفد في البرلمان، أعلن «اسطفان باسيلي» أنه التقى بزعيم الحزب مصطفى النحاس، قبل تقديم التشريعات، واستأذنه في تقديمها، فأذن له، فلم يوقف ذلك الهجوم عليه.


وبعد عشرة أيام عاصفة، وافقت الحكومة على رفض تشريعات «اسطفان باسيلي»، وتقدم هو بطلب سحبها، وحين قابتله بعد عشرين عامًا من هذا التاريخ وجدته ممرورًا على نحو ما، وقال لي في نبرة ساخرة إن أحد مشروعات القوانين التي أثارت هذه الزوبعة قد تسلل إلى قانون العقوبات بعد ثورة يوليو، وكانت شهادته جزءًا من كتاب شرعت في تأليفه آنذاك، بعنوان «الصحافة المصرية في معركة الديمقراطية»، وظللت أعمل فيه طوال هذه السنوات، وكنت كلما ظننت أنني انتهيت منه، أفاجأ بأن هناك آخرين لا يزالون يتوهمون أن باستطاعتهم أن يدخلوا التاريخ من الباب الخلفي، وأن يصعدوا إلى القمة على جثة حرية الصحافة وأن ينوبوا عن الحكومات في إسكات ما تسميه من فرط أدبها بـ «الكلاب النابحة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها