النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

نبت شيطاني غير قابل الاستزراع عرب فرنسا... أقل قليلاً من الموت !!!

رابط مختصر
العدد 9934 الإثنين 20 يونيو 2016 الموافق 15 رمضان 1437

في كل مرة أزور العاصمة الفرنسية باريس يبقى سحرها الخاص يجتاحني بقوة وكأنني اكتشفها لأول مرة، ولأن والدي عمل وعاش فيها حوالي 35 سنة، كنت في كل مرة أزورها أشعر بأنني لم أغادر المحيط العربي، لأنني أرى العرب في كل مكان: في الشوارع والمطاعم، في الفضاءات التجارية والمصانع، وحظائر البناء، ولا أقصد هنا عرب السياحة والعبور، وإنما عرب الهجرة والعمل والدراسة والثقافة والسياسة. ولكني في آخر زيارة لهذه المدينة اجتاحني إحساس غريب تعزز مع كل خطوة كنت أخطوها داخل هذه المدينة العظيمة، وهو أن العرب قد اختلفوا أو تبخروا كغيمة صيفية من هذه المدينة التي كانت تعج بهم قبل عشرين عاما على سبيل المثال.


سائق التاكسي الجزائري الأصل -من الجيل الثاني- والفرنسي الجنسية، شعر بما انتابني من إحساس فتطوع للإجابة: بالفعل لقد تبخر العرب من هذه العاصمة، حتى الأعمال (الشاقة) التي كانوا يضطلعون بها قبل عشرين عامًا، احتلها اليوم عمال من أوروبا الشرقية أو من أفريقيا السوداء. الجيل الأول من المهاجرين اختفى من الوجود، ومن بقي منهم فهو يعيش حاليًا في عزلة تامة، يلفهم الصمت، وتأكلهم الكآبة في الضواحي الفقيرة المزدحمة بالبؤس وتراجع الخدمات، يعيشون عالة على المعونات الاجتماعية التي تقدمها الدولة لضمان حد أدنى من العيش.. الجيلان الثاني والثالث من أبناء المهاجرين العرب -وهم مواطنون فرنسيون- أغلبهم يبقون ضحية البطالة والتهميش وينهشهم الفراغ وبؤس الأوضاع والتمييز في الدراسة والعمل.


- التجمعات السكانية الفقرة والمهشمة والمعزولة تحولت إلى غيتوات حقيقية في الضواحي الباريسية، والتجمعات السكانية التي تأسست أصلاً لخدمة الضاحية الفرنسية في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت اليوم أشبه بالأطلال: عمارات قذرة مكتظة، معزولة إلى حد الموت، الصناعة الفرنسية الثقيلة الشهيرة اختفت، أو تبخرت هي الأخرى، وهاجرت إلى الصين وتايوان والبرازيل وغيرها من البلدان، وبقيت المباني كالأطلال خاوية على عروشها.. وبناء المهاجرين الذين كان يفترض أن يكملوا مشوار الآباء في دورة الإنتاج في الوظائف الثقيلة، وجدوا أنفسهم في التسلل: فرص التعليم والعمل تقلصت، والاندماج المأمول بات شبه مستحيل، لغياب الجدية في المعالجة، بل ولغياب النية أصلاً في دمجهم، خاصة بين أوساط اليمين الذي يفضل أن يبقى العرب -دون غيرهم- نبتًا شيطانيًا غير قابل للاندماج أو الاستزراع أو التداول..


قلت للسائق الذي كان قد بلغ به الحماس أشده، وهو يحكي قصة ألم التهميش والضياع: لماذا لا يعود هؤلاء إلى بلدانهم طالما أنهم باتوا يعيشون حالة ضياع في العالم لا يستطيعون فيه الاندماج، أو لا يجدون فيه فرصة لحياة كريمة: «مشكلة العرب في فرنسا -وربما في أوروبا قاطبة- انهم بين خيارين كلاهما مُر، ولكن تبقى الأوضاع في بلدانهم الاصلية أمر بكثير، وتلك مصيبة وتلك مصيبتان.!!! فهم هنا في مواجهة وضع سيئ وانحسار أفق العيش الكريم وتقلص فرص الحياة العادية حتى، فما بالك بفرص الصعود الاجتماعي.. إلا أن الوضع في بلدانهم يبدو في أغلب الحالات أكثر سوءًا على جميع المستويات المعيشة، إلا أنهم هنا في فرنسا يستطيعون على الأقل التعبير عن الغضب، ويمتلكون حق التظاهر والاحتجاج بالإضافة إلى بعض الأمل، وبصيص من الضوء في آخر النفق، في حين يضطر الآلاف من أبناء جلدتهم في الأوطان الاصلية الفاشلة إلى المقامرة يوميًا بحياتهم عبر البحر، نحو الشواطئ الايطالية أو الاسبانية بحثًا عن فرصة جديدة وأفق جديد، ككائنات مصابة بأوبة فتاكة في أفلام الخيال العلمي والتي تعلق بين المدن الذهبية ومدن القصدير.. هؤلاء يقامرون بحياتهم يوميًا بالرغم من أن حظوظهم في الوصول إلى الضفة الأخرى أحياء لا تزيد عن 10%، وحظوظهم في الحصول على فرصة جديدة للحياة في العالم الجديد لا تزيد عن 1%، وهم يفعلون ذلك لأنهم في الواقع أموات لا يرزقون، والمغامرة قد تعطي لهم فرصة 1% من أمل الحياة، ولذلك فلا غرابة أن ترى المهاجرين يعيشون حياة صعبة، ولكنها أكثر قليلاً من الموت الذي يتجرعونه في بلدانهم.


وحدثني السائق بإسهاب عن مواجهات الضواحي الباريسية بين الشباب المهمش وبين قوات الامن، محللاً الأسباب، ومن بينها ما يسميه بـ «التعايش المستحيل»، حيث استطرد يحكي قصة العلمانية الفرنسية، بقدر من التجني وسوء الفهم، فانبريت موضحًا بأن قيم الجمهورية الفرنسية لا يكاد يستوعبها (المواطنون – المهاجرون الجدد والقدم)، ولذلك سريعًا ما يصطدمون مع نموذج العلمانية الفرنسية، بما يؤخر اندماجهم: حيث يدور لب المنطق الفرنسي على حشد المواطنة خلف قيم العلمانية على نحو يعيد ترتيب الفرد وفق نموذج الجمهورية الجماعي، وواضح أن نموذج فرنسا في مسألة الانصهار الاجتماعي يختلف عن الأنموذج الأنغلوسكسوني الذي يتأسس على فكرة تعايش المجموعات مع الإبقاء على خصائصها في ضمن الوطن الكبير وقواعده الأخلاقية والقانونية، وتحاول فرنسا منذ عقود التعايش مع الحالة التي فرضت عليها من خلال ملايين المهاجرين العرب بوجه خاص، بما جعل الإسلام في المرتبة الثانية بعد المسيحية. وكان لا بد لهذا الوجود الإسلامي من أن يظهر قصور النموذج العلماني الفرنسي عن استيعاب ديانة الآخر ضمن قوانين الجمهورية ونظامها الاجتماعي، إذ يعتمد النظام السياسي والاجتماعي والثقافي الفرنسي على احترام حرية الفرد ومساواته مجردًا من انتمائه الإثني أو الديني، ويدرك الفرنسيون تميز نظامهم، ويعتبرون أن تراكما تاريخيا خاصا، يفتخرون به حيث أن تعامل النظام الفرنسي مع المواطن كفرد هو وراء صيانة حريته واحترام حقوقه، وهو ما يمكن اعتباره إنجازًا فرنسيًا لا ينبغي التشكيك فيه، فالعلمانية في فرنسا خرجت من رحم صراع مرير بين منطق الجمهورية ومنطق الكنيسة، وما اللجوء إلى الخروج بـ «قوانين» العلمانية مطلع القرن الماضي إلا دليل قوة المعركة التي انتهت إلى إقصاء الكنيسة عن الشأن السياسي العام. فالعلمانية لم تكن خطابًا مثاليًا يريد أن ينأى بالدين عن دوائر الشأن العام، بل أداة فعالة لتحرير المجتمع والسلطة من سلطة الكنيسة، ولم يكن الإسلام إذن (ولا أية ديانة أخرى) مستهدفًا من قوانين العلمانية الفرنسية، كما قد يتوهم البعض.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها