النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11924 الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 الموافق 25 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مربي الأجيال الأول في البحرين

رابط مختصر
العدد 9931 الجمعة 17 يونيو 2016 الموافق 12 رمضان 1437

في تاريخ البحرين التعليمي أسماء لرجال أفذاذ قاموا بوضع لبنات التعليم الأولى في البلاد، وساهموا بعلمهم وجهدهم ومالهم الخاص أحيانًا في تخريج أجيال من المتعلمين الذين واصلوا بعد ذلك دراساتهم الجامعية في الخارج قبل أن يعودوا حاملين أعلى الدرجات العلمية في مختلف التخصصات ليساهموا في حمل لواء التنمية والتحديث في البحرين، وأيضًا في عدد من دول الخليج الشقيقة. 
من هؤلاء الرجال الأفذاذ يبرز اسم المغفور له الشيخ عبدالله بن عيسى بن علي آل خليفة الذي ساهم في تأسيس أول مدرسة نظامية للبنين (الهداية الخليفية) في عام 1919، ثم قاوم المحافظين فأسهم في تأسيس أول مدرسة لتعليم البنات (مدرسة خديجة الكبرى) في عام 1926، كما كان له دور في إرسال أول بعثة من الطلبة للدراسة على نفقة الحكومة في جامعة بيروت الأمريكية في صيف سنة 1928، كل هذا قبل أن يتم تعيينه رسميًا في عام 1931 كأول وزير للمعارف، مخول بصلاحيات واسعة في كافة شؤون التعليم.

 

 

ومن هؤلاء الرجال الأفذاذ أيضًا صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر الذي قاد مجلس المعارف بعد تشكيله في خمسينات القرن الماضي، فشهدت البلاد في ظل هذا المجلس وجهود الشيخ خليفة، الذي ذهب شخصيًا إلى بريطانيا للاطلاع على أحدث أساليب التعليم ونقلها، افتتاح المعهد العالي للمعلمين والمعلمات وإنشاء كلية الخليج الصناعية المتخصصة في التعليم الفني والتقني، ناهيك عن إطلاق فكرة الاحتفالات بعيد العلم. 


وممن لا يمكن إنكار بصماتهم القوية والمشهودة في قطاع التربية والتعليم في البحرين المربي الكبير المرحوم أحمد بن علي بن موسى العمران الذي عينه المغفور له عظمة الشيخ سلمان بن حمد حاكم البحرين وتوابعها مديرًا للمعارف في عام 1945 ليستمر في هذا المنصب إلى حين إعلان استقلال البحرين في عام 1971، ثم ليصير بعد ذلك أول وزير يحمل حقيبة التربية والتعليم في حكومة البحرين المستقلة. وفي عام 1972 صدر قرار بنقله للديوان الأميري للعمل كمستشار، منهيًا بذلك مسيرة حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، شغل خلالها مواقع تربوية وغير تربوية متنوعة فأثر وتأثر، الأمر الذي جعل صداه يتردد في عقول وقلوب من عاصروه، وفي جنبات وأروقة دور العلم التي أنشأها وسقاها بمياه علمه وخبرته وحسن تدبيره.

 


ولد العمران، الذي يلقب بـ«مربي الأجيال» و«رائد الحركة التعليمية» في عام 1909، وتوفي في عام 2007، وبهذا فقد عاصر الرجل حقبة ما قبل إطلاق التعليم النظامي، اي حقبة الاقتصاد القائم على الصيد البحري وتجارة اللؤلؤ، التي لم تكن تتطلب سوى إلمام المواطن بقدر بسيط من القراءة والكتابة والحساب وشؤون الدين من خلال الكتاتيب التقليدية، وعاصر الحقبة الوسطى ما بين انحسار اقتصاد اللؤلؤ وظهور النفط، والتي تميزت بمحاولات بعض الجمعيات الخيرية والوقفية تأسيس مدارس غير رسمية، وعاصر أيضًا حقبة إطلاق التعليم النظامي والرسمي بكل تجلياته الحديثة والمتنوعة التي نراها اليوم.


كغيره من أبناء جيله درس العمران القرآن الكريم في كتاب كانت تديره إحدى «المطوعات»، ثم استقدم والده مدرسًا خاصًا ليقوم بتعليمه الكتابة والخط العربي والحساب وقواعد النحو، وبعد أن تمكن من هذه المواد التي ميزته عن أقرانه في الفصاحة والبلاغة والنطق السليم، انتقل للدراسة في مدرسة بسوق المحرق كان قد أسسها الكويتي السيد عبدالوهاب الطباطبائي. لكنه بمجرد افتتاح مدرسة الهداية الخليفية التحق بها وانتظم في صفوفها العليا وهو في سن العاشرة ليمكث بها ثلاث سنوات متواصلة، أثبت خلالها نبوغًا وتفوقًا والتزامًا بدليل أن إدارة المدرسة اختارته ليلقي كلمة ترحيبية بين يدي الأديب والرحالة الأمريكي /‏ اللبناني أمين فارس أنطوان الريحاني خلال زيارته لمدرسة الهداية في مطلع عشرينات القرن الماضي (عام 1922)، ثم بدليل أن مدرسته عينته في عام 1923 مدرسًا في فترة ما بعد الظهر، فكان تلميذًا ومعلمًا في الوقت نفسه إلى أن أنهى مقررات تعادل مقررات الثانوية وحصل على شهادة بذلك في عام 1926 مصدقة من مجلس التعليم. 

 


ومن دلائل نبوغ العمران المبكر قصة مذكورة في السيرة الذاتية لأحد معلميه الذين تلقى علوم الرياضيات والحساب على أياديهم وهو «العلامة الشيخ محمد العبسي الأزهري اليماني» الذي حل في البحرين، من بعد أن جال وعمل في مصر وأندونيسيا والكويت، فعمل بها كمدير لمدرسة الهداية ومدرس في الوقت نفسه لعلوم الدين واللغة العربية والرياضيات. وملخص القصة أن العمران استفاد من علم الشيخ العبسي، خصوصًا في الرياضيات، فاستطاع أن يختصر دفتر حساب أوزان اللؤلؤ من عدة مئات من الصفحات إلى جدولين لم يزيدا عن بضع أوراق تتضمن جميع الأغراض الحسابية بشأن أوزان اللؤلؤ. فلما اطلع الأستاذ على عمل تلميذه انبهر إعجابًا به فكتب في حقه أبيات الشعر التالية:

سمح الزمان بجدولين هما هما
عقدان في جو اللاليء نظما
قد بلغا الطلاب غاية مقصد
بدلالة تهدي القلوب البهما
إذ يسر ما قد تعسر مطلبا
فيه واشرق صبحه بسناها
ولقد شدا علم الهداية منشدا
لله در مؤلف أبداهما

وفي صيف عام 1929 قامت حكومة البحرين بابتعاث العمران للدراسة في جامعة بيروت الأمريكية على نفقتها، وكانت البعثة تضم، باضافة إليه، كلا من: عبدالله محمد الباكر، عبدالرحمن قاسم المعاودة، عبدالرحمن الزياني، كمال المهزع، عبدالعزيز سعد الشملان. وكما هو معروف فإن هذه البعثة عادت إلى البحرين في عام 1931 بناءً على استدعاء من المستشار البريطاني تشارلز بلغريف عقابًا لإعضائها على إضرابهم عن الدراسة تضامنًا مع مدرسين عرب تم فصلهم من وظائفهم بمدرسة الهداية الخليفية وترحيلهم إلى خارج البلاد بتهمة تأجيج المشاعر القومية. وبعودته من بيروت عاد العمران إلى مدرسته القديمة ليعمل بها مدرسًا، وليمارس أيضا، إلى جانب وظيفته الرسمية، أنواعًا مختلفة من الأنشطة الثقافية من خلال الأندية الثقافية والاجتماعية في المحرق والمنامة التي أثرى فعالياتها بما كان قد راكمه من اطلاع على حقول الأدب والتربية والتاريخ والثقافة العامة.

 


في عام 1934 التحق العمران بدائرة الكهرباء، حيث عمل مساعدًا لرئيسها البريطاني، وفي عام 1942 تم تعيينه في وظيفة أمين سر بلدية المحرق. أما في عام 1945، الذي حدث فيه فراغ في إدارة المعارف، فقد أمر عظمة الحاكم الشيخ سلمان رحمه الله بأن يشغل العمران هذا الفراغ إلى جانب عمله في بلدية المحرق. واستمر هذا الوضع إلى عام 1947 حينما تم تثبيت الرجل على وظيفة مدير للمعارف، فانتهت بذلك علاقته الوظيفية بالبلدية.


أبلى العمران بلاءً حسنًا في إدارته لشؤون التعليم. وآية ذلك إزدهار حركة التعليم وانتشار المدارس إلى الدرجة التي وصلت معها سمعة البلاد التعليمية إلى الخارج، فصارت البحرين محجة الأشقاء الخليجيين لنهل المعارف الحديثة والحصول على الشهادات المؤهلة للعمل في القطاعين الخاص والعام. وأثناء توليه إدارة التعليم ترأس العمران وفد البحرين إلى مؤتمرين من مؤتمرات وزراء التربية العرب في عامي 1950 و1960، كما حضر مؤتمر منظمة اليونيسكو في باريس في عام 1968 وألقى أمامه خطابًا باسم البحرين التي كانت عضوًا في المنظمة رغم عدم نيلها الاستقلال التام آنذاك.


في هذه الفترة أو نحوها من حياته اقترن أحمد العمران بالسيدة سلوى سعد الدين الناعوتي، التي ولدت في لبنان في عام 1924، وتخرجت هناك من دار المعلمات، ثم انتقلت إلى البحرين في عام 1942 لتعمل مدرسة لمادتي الحساب واللغة العربية في مدرسة خديجة الكبرى بالمحرق لمدة سنة واحدة، عينت على إثرها مديرة لهذه المدرسة من عام 1945 وحتى 1948، علمًا بأن جدتها «غلاديس» كانت قد سبقتها وعملت في المدرسة نفسها كمعلمة للغة الإنجليزية، طبقًا لما نشرته صحيفة الأيام (25/‏11/‏2010). أما لماذ اختارت السيدة سلوى البحرين وجهة لها للعمل، فلأن والدتها وداد كانت تقيم بالبحرين وهي من أسرة طبارة التي لها ذكر راسخ في تاريخ التعليم في البلاد، حيث لا يمكن الحديث عن التعليم الصناعي في البحرين دون الإشارة إلى الأستاذ سعيد سعيد طبارة الذي شغل منصب الوكيل المساعد لشؤون التعليم المهني في وزارة التربية والتعليم ما بين عامي 1975 و1982، وكان قبل ذلك رابع مدير لمدرسة المنامة الصناعية حيث تولى هذه الوظيفة من عام 1945 وحتى 1968.


وفي الفترة من عام 1950 إلى 1956 تولت سلوى العمران، التي تعتبر من أوائل نساء البحرين اللواتي حصلن على رخصة قيادة السيارات، منصب المساعدة التنفيذية لزوجها مدير المعارف أحمد العمران. غير أن هذا المنصب وما سبقه لم يبعدها يومًا عن عشقها الأبدي المتمثل في العمل الخيري التطوعي. فقد كانت، رحمها الله، من رائدات العمل الاجتماعي في البحرين ومن اللواتي تركن بصمات واضحة في هذا المجال كبصمات زوجها في ميدان التربية والتعليم. أما السبب في عشقها للعمل التطوعي والخيري، فيعزى طبقًا لما ورد في حديث لها نشرته مجلة البحرين الخيرية في نشرتها رقم 65 (أغسطس 2010) إلى نشأتها في بيروت وسط عائلة بيروتية شديدة الولع بالعمل الخيري والانساني إلى درجة أن ربتها اتهمت بإهمال أطفالها وبيتها من أجل مد يد العون إلى الآخرين.


في عام 1956 انتقلت السيدة سلوى مع زوجها وأبنائها للسكن في منزلهما القائم حتى اليوم بمنطقة العدلية، بالقرب من محل أزهار سنغافورة، حيث يوجد مجلس العائلة الذي يستقبل الضيوف من مختلف الأطياف، ولاسيما في شهر رمضان المبارك. ومن هذا المنزل انطلقت سلوى العمران، تؤسس العلاقات مع سيدات المجتمع الراغبات في العمل الاجتماعي، فقادتها خطواتها إلى الراحلة الشيخة لولوة بنت محمد آل خليفة وسيدة البر والإحسان المرحومة عائشة يتيم (عقيلة رجل الأعمال المعروف المرحوم حسين علي يتيم) اللتين كانتا خير داعمتين لها في الحصول على ترخيص لتأسيس جمعية باسم «جمعية رعاية الطفل والأمومة» في عام 1960.

وقد تولت سلوى العمران أمانة سر الجمعية الوليدة ثم تولت مهام نائبة الرئيس على مدى ربع قرن كرست خلاله جل وقتها وجهدها في سبيل رعاية وتنشئة الأبناء تنشئة قويمة، وتأسيس رياض الأطفال الأهلية التي لم يكن لها وجود في البحرين قبل عام 1965، ووضع خطط لتأهيل المربيات في رياض الأطفال ودور الحضانة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ومنظمة اليونيسكو، وتأسيس معهد الأمل للأطفال المعاقين في عام 1977، واشراك الأطفال في برامج المرور التوعوية بدءًا من عام 1973، وإعداد وتنفيذ مشروع مساندة الأسر المحتاجة بالمساعدات العينية بدءًا من عام 1962، وغير ذلك من الأعمال الجليلة التي صبت في ميزان حسناتها. 


بقي أن نعرف أن المرحومة سلوى العمران أنجبت لمربي الأجيال المرحوم أحمد العمران ابنين هما: الدكتور ظافر العمران الوكيل المساعد لشؤون مجلس التعاون والدول الغربية بوزارة الخارجية البحرينية، والمهندس مازن العمران مؤسس جمعية المكاتب الهندسية البحرينية والنائب الحالي لرئيس مجلس بلدي العاصمة، بالإضافة إلى ابنة هي السيدة هالة العمران مديرة تلفزيون البحرين في الثمانينات، ومن ثم وكيلة وزارة الإعلام الأسبق لشؤون التلفزيون والإذاعة في التسعينات. وبما أنه رجل علم وتعليم، فقد حرص أحمد العمران على أن ينال أنجاله أفضل تعليم، بل حرص أن ينالوا شهاداتهم الجامعية الأولى من نفس الجامعة العريقة التي درس فيها لبعض الوقت في نهايات عقد العشرينات. وعليه فقد تخرج ظافر من الجامعة الأمريكية في بيروت حاملاً بكالوريوس الاقتصاد (حصل فيما بعد على درجتي الماجستير والدكتوراه في إدارة التنمية الاقتصادية من جامعة جنوب كاليفورنيا الأمريكية)، وتخرج مازن من الجامعة نفسها في تخصص الهندسة وتخرجت هالة في تخصص علم النفس الذي درسته لطلبة جامعة البحرين.


ونختتم بالإشارة إلى أن المرحوم أحمد العمران حصل في حياته على العديد من الأوسمة مثل: وسام الرافدين من الجمهورية العراقية في عام 1986، ووسام الاستقلال من المملكة الأردنية الهاشمية في عام 1973، ووسام الجمهورية من جمهورية مصر العربية في عام 1974. وتم منحه سيفًا من الذهب من قبل الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان طيب الله ثراه تقديرًا لجهوده المشهودة في القطاع التربوي والتعليمي، وذلك في عام 1969 أثناء احتفالات البحرين باليوبيل الذهبي للتعليم. وقامت وزارة التربية والتعليم بإطلاق اسمه على مدرسة ثانوية للبنين في منطقة الحورة بالمنامة تخليدًا لذكراه. وفي بادرة طيبة تنم عن التقدير والعرفان لمربي الأجيال، وتهدف إلى إحياء ذكراه في نفوس الأجيال الجديدة من طلبة وطالبات العلم، وتعريفهم بخدماته وإنجازاته الجليلة للبلاد على مدى 56 عامًا، تم قبل عدة سنوات إطلاق «جائزة أحمد العمران للطالب المتفوق».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها