النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

حين يتحوّل الغش إلى رسالة سامية

رابط مختصر
العدد 9929 الأربعاء 15 يونيو 2016 الموافق 10 رمضان 1437

تواكبت بداية شهر رمضان لهذا العام، مع بداية موسم امتحانات شهادة إتمام الدراسة الثانوية في عدد من الدول العربية والإسلامية، وشهدت ثلاث من هذه الدول - هي مصر والجزائر والمغرب - تسريبات أو محاولات لتسريب أسئلة امتحان هذه الشهادة في عدد من المواد، كان لافتًا للنظر أن يكون من بينها مادة الدين الإسلامي، مما اضطر وزارات التربية والتعليم فيها إلى إلغاء الامتحان في المواد التي تسربت أسئلتها، وإعادته في كل - أو بعض - المناطق التي جرى فيها التسريب.


وليست هذه أول مرة تتسرب فيها أسئلة امتحانات هذه الشهادة التي تؤهل من يجتازونها للالتحاق بالجامعات طبقًا للمجموع الكلى للدرجات الذي يحصل عليه كل منهم، مما يخلق حالة من المنافسة الحادة بينهم للحصول على مجموع يمكنهم من الالتحاق بإحدى كليات القمة التي تؤهل خريجيها للحصول على فرصة متميزة في سوق العمل كالطب والهندسة والإعلام.


ومع تطور الزمن وتقرير مجانية التعليم الثانوي والجامعي، ازداد عدد الراغبين في الالتحاق بالجامعات، قياسًا بعدد المقاعد المتاحة، على الرغم من زيادة عدد الجامعات، وتصاعدت حدة المنافسة بينهم، وتحولت الثانوية العامة من سنة دراسية إلى كابوس يجثم على أنفاس الطلاب وأسرهم وتخلقت ظواهر اقتصادية وتربوية وإجرامية تحيط بها، من تجارة الكتب الخارجية التي تلخص وتشرح الكتب المقررة، إلى الدروس الخصوصية التي أصبح على كل أسرة، خاصة التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى أن تتحمل نفقاتها الباهظة، إلى ظواهر إجرامية كان من بينها الغش الجماعي وتسريب الامتحانات..


وكانت البداية في أوائل ستينات القرن الماضي، حين فكر أحد عمال الطباعة الذين يصفون حروف أسئلة بعض مواد امتحان الثانوية العامة، في المطبعة الرسمية المخصصة لذلك، في وسيلة تتيح لأحد أقاربه من الطلاب الذين يستعدون للتقدم إليها، الحصول على مجموع يمكنه من احتلال مقعد في إحدى كليات القمة، وحتى يتمكن من اختراق إجراءات الأمن الصارمة التي تحيط بالعاملين في المطبعة، قام بطبع تجارب أوراق أسئلة هذه المواد، على فانلته الداخلية، لتصل إلى قريبه الذي رأى أن يجامل أصدقاءه فأطلعهم عليها، ونقلها هؤلاء إلى أقاربهم، وباعها بعض هؤلاء لزملاء لهم.. لتكتشف السلطات - صباح بداية الامتحان - أنه قد تسرب لكل طلاب الثانوية العامة، في كل أنحاء البلاد.


وأيامها جرى حديث من النوع نفسه الذي قيل في الأسبوع الماضي، بعد أن تسربت أسئلة الثانوية العامة في ثلاث من الدول العربية، وسوف يتكرر بالقطع في السنة المقبلة، فعلق البعض فأس المسؤولية عن هذا التسريب في عنق وزراء التربية والتعليم في هذه البلاد، وطالبوا بإقالتهم فورًا، وعلق آخرون هذه الفأس في عنق النظام التعليمي العتيق الذي يقوم على الحفظ والتلقين، وعلى أسلوب الامتحان الذي يجعل مستقبل الطالب رهينا بنتيجة امتحان واحد، هو امتحان السنة الأخيرة في المرحلة الثانوية، وعلقها فريق ثالث في عنق قاعدة المجموع الكلى كأساس للالتحاق بكل الكليات الجامعية، بصرف النظر عن المواهب والاستعدادات الخاصة التي ينبغي أن تتوفر لمن يدرس في كل كلية على حدة.


تلك أسباب قد يكون كل منها صحيحًا في تفسير بعض جوانب الظاهرة، ومن المؤكد أن هناك أسبابًا أخرى كثيرة غيرها، تتطلب بحثا أعمق لها، وعلى رأسها العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وبين خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومناهج التعليم العام والجامعي.. لكن ما لفت نظري هو ذلك التقدم المضطرد في أساليب الغش الجماعي في امتحانات الثانوية العامة، والذي لم يعد يقتصر - كما كان الحال في جيلنا - على الطالب الغشاش الذي يستعين بزميله لكي يهمس له بإجابة سؤال، أو بأوراق يدسها في ملابسه لكي يعود إليها خفية من المراقبين، بل أصبح يشمل حالات من الغش الجماعي يشترك فيها الطلاب والمراقبون وأولياء الأمور، ويتاح فيها للطلاب - أمام أعين المراقبين - النقل من الكتب المقررة أو الاستعانة بزملائهم في الإجابة عن الأسئلة، ويكتب - بعض المراقبين - هذه الإجابات على السبورة، ووصل الأمر في بعض السنوات إلى أن بعض أولياء الأمور كانوا يرتبون للحصول عن ورقة الأسئلة بمجرد توزيعها، ويتعاونون على الإجابة عنها، ثم يستخدمون مكبرات الصوت من خارج أسوار لجنة الامتحان، لكي يذيعوا على أبنائهم الإجابات النموذجية لها.


نحن إذن أمام خلل في المنظومة الخلقية، الفردية والجماعية، يصاحبه ظاهرة تسرب امتحانات الثانوية العامة، ربما يكون قد وصل قمته هذا العام، بإعلان الذين سربوا امتحان الدين الإسلامي في امتحان الثانوية العامة المصرية، بأنهم فعلوا ذلك احتجاجًا على النظام التعليمي الفاسد، وأنهم سيواصلون رسالتهم السامية في فضح هذا النظام وإثبات عدم جدواه، بتسريب كل الامتحانات، وبذلك تحول الغش - حتى في امتحان الدين الإسلامي - إلى رسالة سامية يجرى بثها على شبكة الإنترنت!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها