النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

اتقِ الله في البحرين

رابط مختصر
العدد 9929 الأربعاء 15 يونيو 2016 الموافق 10 رمضان 1437

 حتى لا ينسى أحد أبدًا، أو يستغل أحد آخر ما نكتب لتوظيفه في غير محله خدمة لأغراضه التجييشية التي دأب عليها ولم يهدأ منذ أكثر من خمس سنوات، ينبغي أن نذكر في كل آنٍ وحين أن النقد الذي يوجه إلى السلوك السياسي الذي نراه معوجًّا وممارسة خارجة عن السياق الوطني لأغلب تيارات الإسلام السياسي، لا يجب أن يسقط على المذهب الذي ينتمي إليه هذا التيار أو ذاك، إذ أن المذهب أو الدين لا يتستلزم منا غير الاحترام والتقدير، وهذا مبدأ لا نتخلى عنه ولن نتخلى عنه أبدًا.


 في هذا السياق قرأت على موقع جمعية «الوفاق» الإلكتروني مقالاً أو خطبة، أو بيانًا، أو نصًا تنظيريًا - ولكم أن تسموه ما شئتم لأن هويته مائعة تستعصي على التحديد كما سبق أن أشرت إلى ذلك في مقال سابق تناولت فيه مثل هذه الكتابات شكلاً ومضمونًا - كتبه الشيخ عيسى قاسم ووسمه بهذا العنوان «لا حل للأزمة والشعب في السجون». وأنا إذ أتناول هذا النص لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يعتقد بأنني أتناول خصوصية من خصوصيات المذهب الشيعي الكريم، أو أصحاب هذا المذهب الذين أنا أكن لهم كل الود والتقدير وأعدهم جزءًا لا يتجزأ من كياني الوطني والثقافي وهويتي البحرينية. الشيخ قال كلامًا يكتنفه اللبس وتهيمن عليه، من وجهة نظري، نبرة التحريض، كما أنه لا يبعد عن أجواء خطبه الفتنوية الهادفة إلى التأثير في بقاء الوضع على ما هو عليه، وإني أرى لزامًا عليّ الرد عليه حتى لا يتكرس في أذهان مريديه والساكتين على نيله من وحدة هذا الشعب الوطنية إن ما يقوله الشيخ عيسى قاسم «مقدس» لا يطاله النقد!


 تناول الشيخ في مقالته، ودعوني أسمها مقالة لألوذ بها عن «القداسة»....، أمرين اثنين أساسيين إلى جانب أمور أخرى يمكن التطرق إليها فيما بعد. الأمر الأساسي الأول وصف فيه ما سماه بالأزمة التي تعيشها البحرين بأنها سياسية، إذ قال: «الأزمة في أساسها سياسية بمعرفة كل الداخل والخارج. وما هو بالأمر الخفي، أو القابل للإخفاء. وبذا لا تكون معالجة إلا بالحل الذي يتخلص من هذا الأساس ويعالج خلله». ولمن يقرأ مثل هذا الكلام الحق في أن يتساءل تجاوبًا مع كلام الشيخ ووقعه: أمثل هذا الكلام حقًا صحيح؟ أي هل أن الأزمة حقًا سياسية؟ شخصيًا أرى بأن الأزمة التي افتعلت في العام 2011 ومازالت المجموعات المذهبية تسير مكابرة في افتعالها مذاك الوقت، هي أزمة مذهبية، لا بل وزادت هذه المجموعات توغلاً في إعطائها هذه الصفة. نعم إنها أزمة مذهبية يبدأ حلها والخلاص من تداعياتها من داخل هذه المجموعات لا من خارجها. ينبغي على هذه المجموعات التي ترعاها جمعية «الوفاق» وتوفر لها الغطاء السياسي أن تتخلص من ضغوطات الإيديولوجيا الحزبية المدعومة من إيران، ومن وهم تمثيلها «الشعب». وأحسب أن أول ما ينبغي فعله في هذا الاتجاه هو ابتعاد القيادات الحزبية الدينية والسياسية عن المشهد، وإفساح المجال أمام الشباب لعل لديهم ما يخدم الوطن وهجر ما أسست له تلك القيادات من الأجندات المذهبية، والتركيز على المشتركات الوطنية.


 أما الأمر الثاني فهو الحل المتعلق بهذه الأزمة التي يراها الشيخ عيسى «سياسية». وقد وجد الحل لهذه الأزمة في إطلاق سراح المسجونين الذين صدرت في حقهم أحكام قضائية، وفي هذا الصدد كتب الآتي: «وأي حل للمشكلة السياسية،........، لا يمكن أن يتم بالصورة الحقيقية وجموع غفيرة من أبناء الشعب وحتى بناته، ومن علمائه القدوة، ورموزه السياسيين الذين ينالون إعجابه، ويمتلكون الموقع العزيز والمكانة الرفيعة في ضميره تقبرهم السجون، وتصادر حريتهم قضبان الحديد، وما دام العديد من شبابه وحتى صبيته يطاردون ليل نهار، وينتزعون من بيوتهم انتزاعا يمزق قلوب أسرهم». لأي قارئ غير مطلع على مسار الأحداث التي وقعت في البحرين سيأخذ بكلام الشيخ عيسى قاسم على أنه الحل الحقيقي للأزمة في البحرين، وهذا صحيح، ويمكن تعميم هذا الحل في أماكن أخرى غير البحرين أيضا، لكن الحال ليس على هذا النحو من التبسيط. البحرين مرت بمنعطف خطير أحدث شرخًا عميقًا في العلاقات البينية بين المكونات الاجتماعية. ولكم أن تتصوروا الحال لو أن الدولة لم تتخذ إجراءاتها الأمنية، ومنها بالطبع عرض من سماهم الشيخ «العلماء القدوة» و«الرموز السياسية الذين ينالون إعجابه ويمتلكون الموقع العزيز...» على القضاء العادل المستقل بعدما ثبت بالبرهان القاطع عبثهم بأمن البحرين واستقرار نظامها، أكان يمكن للبحرينيين أن يتمتعون بهذا الأمن الذي تحت ظلاله اليوم يعيشون؟


 كما إني أيضا أعجب من أمرين آخريين لا أجد لهما مبررًا في سياق المقالة لا من حيث هما مشكلة ولا هما حل، الأول وهو عندما تحدث عن ممثلي الشعب وفرص اختيارات الشعب لممثليه، وخصوصا عندما يقول: «إما أن يفرض أحد ممثلا للشعب، أو يحاول أحد أن يفرض نفسه على الشعب ممثلا له فإنه يستحيل أن يعده الشعب ممثلا له...» أليست جمعية «الوفاق» هي أول من انتحل دور تمثيل الشعب غصبًا عن هذا الشعب؟ لا أعتقد أن مشكلتنا تمثيل الشعب، إذ أن هناك آلية دستورية لبلوغ منصة تمثيل الشعب. وأي حديث خارج هذا السياق هو حديث مكذوب من أي جهة أتى، فاسد بلغة الفقهاء والمناطقة من أصله، لأن التمثيلية في ظل دولة مدنية استحقاق انتخابي أو لا تكون، ولا يمكن لأصوات تدعي التكلم باسم السماء أن تفرض خياراتها الثيوقراطية على الشعب وإن لبست قناع الديمقراطية إلى حين. والثاني هو أنه في معرض حديثه عن اتساع المسافة بين طرفي النزاع «الشعب» والحكم، معتبرًا أن الشعب هو «الوفاق» وإن «الوفاق» هي الشعب، لم ينس الشيخ عيسى التذكير بالمنسي علي سلمان الذي لقي تشديدًا في الحكم الصادر عليه ووصفه برمز «السلمية والعقلانية والمحبة لجميع المواطنين». حقًا ليس هناك من أحد يتكلم و«يهاذم» بممثلية الشعب أكثر من جمعية «الوفاق» ورموزها الدينية والسياسية.


 مقالة الشيخ أو بيانه أو تهنئته الرمضانية تؤكد في كل مكوناتها وفاء صاحبها لخلفية التأجيج وافتعال المياه العكرة للصيد فيها، ولكنه، ولا ألومه على ذلك، نسي أو تناسى أن أوراق التوت قد أسقطها من عدهم رؤوس العلماء باعترافاتهم وأفعالهم وأفعال تابعيهم الذين تفننوا في تعكير صفو هذه البلاد الآمنة بشنيع الفعال الإرهابية التي طالت كل ما تعتز به البحرين من مكاسب وإنجازات. نصيحة أخيرة أسوقها بصفتي مواطنًا يدعو مواطنًا مثله إلى سبل الرشاد اتق الله في وطننا، واحذر الاقتداء بنيرون الذي دخل التاريخ بإحراقه روما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها