النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

تحولات لا إنسانية في أنظمة العمل.. بداية انهيار النموذج الاجتماعي لأوروبا

رابط مختصر
العدد 9929 الأربعاء 15 يونيو 2016 الموافق 10 رمضان 1437

تحولات مدهشة تحدث داخل الفضاء الأوروبي على صعيد الخيارات الاقتصادية، تشي بأن «التاريخ قد انتهى هنا» على حد تعبير فوكوياما، فالرأسمالية تكتسح، وتبقى هي الأفق الوحيد، ومنوالها التنموي هو الحل الأول والأخير، حتى بالنسبة للحكومات الاشتراكية، ومنها الحكومة الفرنسية التي يقودها رئيس اشتراكي ديمقراطي (يا للمفارقة)!.


فقانون العمل المقدم من الحكومة من خارج البرلمان مثال صارخ على ذلك، وبغض النظر عن المبررات التي قد يكون بعضها قوي بشكل كبير، فإن تمرير هذا القانون الذي ترفضه اغلبية كبية من الفرنسيين، يؤشر الى ان أوروبا تؤشر يمينًا، وأن الاشتراكية الديمقراطية انتهت ولم يبقَ منها سوى الشعارات والمقولات الليبرالية ذات العلاقة بالحريات الفردية.


القانون الجديد ينحاز الى ارباب العمل ويطلق ايدي أصحاب الشركات في فصل او تسريح العمال ومد سعات العمل خارج المنظمة التشريعية السابقة التي تشكل شبكة امان وظيفية لملايين الفرنسيين. والغريب هنا أن الحكومة تعتزم تمرير القانون الجديد بالرغم من الرفض الكاسح له، فقد أجرت صحيفة لوموند الفرنسية استطلاعًا للرأي الشهر الماضي، لقياس مدى شعبية مشروع العمل الجيد الذي تقدم وتدافع عنه حكومة اشتراكية - يا للمفارقة - حيث أظهر الاستطلاع أن 56% من الفرنسيين يرفضون هذا القانون جملة وتفصيلاً، بينما انقسمت آراء الموافقين فـ51% رأوا أن يسحب مشروع القانون وتعاد صياغته من جديد بشكل متوازن يحمي حقوق الجميع، بينما رأى 29% أن مراجعته فقط ستكون كافية. كما لفتت الصحيفة إلى أن الاستطلاع استطاع أيضا تقديم بيان بنسبة رافضي القانون، فالعمال بلغت نسبتهم 70%، بينما بلغت نسبة ذوي الشهادات البسيطة 65%، والأسر الفقيرة 68%، والمديرين 55%، ذوي الشهادات العالية 53%، والأسر الغنية 40%.


هذا مؤشر واحد، ولكن الأخطر أن شبكة الرعاية التي تؤمن حياة الناس اليوم مهددة هي الأخرى بالمساس بها بشكل أو بآخر من خلال المراجعات التي تميل الى تقليل المزايا التي يتمتع بها المواطن الأوروبي.


أما في الولايات المتحدة فهناك العديد من قطاعات اليسار الباحثة عن بدائل، وهي تلتفت نحو أوروبا فيزداد إحباطها. بالطبع لا تزال الرعاية الاجتماعية أعلى درجة في القارة القديمة لكن الحكومات وحتى تلك المنتمية إلى الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر كما في ألمانيا تفتقر إلى الشجاعة والخيال، فبدل ان تبحث عن موارد لتمويل الدولة الاجتماعية فإنها تفضل خفض الدعم المقدم للخدمات الاجتماعية التي تضمن قدرًا كبيرًا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي في أوروبا الرأسمالية.


إن الضعف البارز في قدرة أوروبا على حماية مواطنيها، يضعف من تأثيرها في شؤون العالم. فمن أجل منع انهيار ما تبقى من النموذج الاجتماعي الأوروبي يستطيع الاتحاد بصفته هذه ان يقدم على الأقل إلى جميع مواطنيه هذا الشكل او ذاك من الخدمات الاجتماعية الجديدة كبدائل.


يذكر ان الرئيس روزفلت أقدم على هذا النوع من التدبير في الثلاثينات في أوج الأزمة الاجتماعية الخطيرة التي كانت تواجهها الولايات المتحدة. وفي العام 1935 تأسس في فرنسا الضمان الاجتماعي الذي بات يغطي المواطنين جميعهم تقريبًا وتحولت بطاقة الضمان إلى بطاقة هوية مدنية.


فعلى أوروبا إذن البحث عن برامج من هذا القبيل. فهناك صناديق تسمى بنيوية وتعمل من اجل التماسك إضافة إلى السياسة الزراعية المشتركة وبرامج الدعم للبلدان المرشحة لدخول الاتحاد. لكن هذه المساعدات تذهب إلى بلدان محددة او مناطق او الى المزارعين ولا تطال مجمل السكان لتخلق روابط بين مواطني الدول المتحدة.


لقد قدّم مؤخرًا ثلاثة من الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين حججًا تدعم مبدأ «دولة الرعاية الأوروبية الحقيقية مع نظام قاري للتقاعد»، إضافة إلى إنشاء جامعات متميزة جديدة في مناطق التخوم الأوروبية ضمن إطار طبيعي جذاب وحيث المداخيل هي الأدنى على ان يتم تعهد نفقات الطلاب بالكامل.ويفترض بدولة الرعاية الأوروبية أن تغطي الجميع بحيث تطال عطاءاتها كل فرد في كل بلد في شكل من الأشكال، ويجب أن تعتبر مكملة وليست بديلا من أنظمة الرعاية الاجتماعية الوطنية التي يجب أن تتمكن من الاستعانة عند الحاجة بصندوق أوروبي يتمتع بموارده الخاصة.


وفي هذا السياق تطالب الكنفيدرالية الأوروبية للنقابات منذ زمن طويل بإنشاء صندوق اجتماعي أوروبي حقيقي يملك الموارد الكافية كي يستثمر من اجل إيجاد وظائف منتجة وتأمين النفقات المستقبلية للرعاية الاجتماعية. وتهدف الصناديق الاجتماعية إلى إنتاج الثروة كما إلى توزيعها، وفي قارة تتحكم فيها أسواق الأسهم تستطيع هذه الصناديق حماية المؤسسات المنتجة من هيمنة الرأسمالية المطلقة، وتعزيز موقع تلك التي تضع لنفسها أهدافا في باب المسؤولية الاجتماعية وتسمح برقابة شعبية ولو بالحد الأدنى على عملية التراكم.


ويمكن لأوروبا الانصراف إلى إنقاذ أنظمة الرعاية الاجتماعية وأنظمة التقاعد والعمل التي يتم المساس بها تدريجيا، بدلا من تحسينها، بقدر ما تبتعد عن مشاريع الغزو الأمريكية، فوراء النزعة الحربية الأمريكية رغبة في نقل انتباه المواطنين الأمريكيين عن المشكلات الاجتماعية الخطيرة والتفاوت الاجتماعي اللافت والمتفجر الذي تعانيه البلاد. في حين أن اوروبا الطامحة لتكون النموذج الأكثر عدالة واعتناء بالجانب الاجتماعي والإنساني وبفكرة المساواة والمسؤولية من اجل مواطنيها ومن اجل باقي العالم، يفترض ان تمضي قدما نحو تأسيس العقد الاجتماعي على مستوى القارة ليساهم في بناء مواطنية مشتركة ترتكز عليها سياسة خارجية أوروبية أكثر استقلالا وأكثر عدلا وأكثر جاذبية لتتحول إلى نموذج حي يقتدى به وليس نموذجًا مستنسخًا من الحالة الأمريكية التي تتجه نحو التأزم ونحو التدمير الإنساني والاجتماعي لصالح التجمع العسكري الصناعي الذي يوجه السياسة الامريكية.


همس
كل يوم، يتبع الناس يافطات تشير الى أمكنة لا علاقة لها بعناوينهم: اشارات الطرق، لافتات المطارات ومحطات القطارات. البعض يسافر بحثاً عن لذة والآخرون لمتابعة أعمالهم، وكثيرون يرتحلون من فراغ او شعور باليأس، او للبحث عن افق متوهم، وعند وصولهم، يدركون انهم ليسوا في المكان الذي اشارت إليه اللافتات، كل المؤشرات تقول إنه هو، ولكن لا حياة فيه، قوة الجاذبية الخاصة بالمحطة التي اختاروا السفر إليها ماتت من زمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها