النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حول وصايا البنك الدولي..

تخليص الدولة من أعباء الخدمات العامة!

رابط مختصر
العدد 9927 الإثنين 13 يونيو 2016 الموافق 8 رمضان 1437

في بلدان عربية كثيرة، فتحت ورشة بيع القطاع العام أبوابها على مصر اعيها، استجابة - في الغالب - إلى نصائح البنك الدولي وشقيقاته-ولذلك كثر الحديث بالمناسبة عن «عيوب القطاع العام وكوارثه الاقتصادية وعن فشله الكارثي وعن تراكم ديونه وضعف مردوده وفشل استثماراته، وضرورة إعادة هيكلته اقتصاديا واصلاحه تنفيذا لوصفات ووصايا البنك الدولي العشرة بحذافيرها»، والعمل على اقناع الشعوب وممثليهم في البرلمانات بقبول تلك التوصيات التي سبق للصندوق تقديمها في شكل وصفة جاهزة للعديد من البلدان في العالم، وخاصة فيما يتعلق (بتقليص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، ورفع رسوم استهلاك الكهرباء والمياه، وخفض الإنفاق العام، وتسريع جهود الخصخصة، وتجميد الرواتب والأجور في القطاع الحكومي) وغيرها من الوصايا، التي لا تختلف كثيراً عن توصيات خبراء الصندوق الشهيرة المقدمة إلى الحكومات في العالم الثالث، غير عابئين بما قد يثيره تنفيذ تلك التوصيات من غبار وآثار كارثية على الاستقرار المجتمعي، وربما حتى من اضطرابات اجتماعية كبيرة مثل التي حدثت في العديد من البلدان التي واجهت مثل هذه الكارثة حتى في بعض البلدان الأوروبية مثل اليونان واسبانيا والبرتغال.


وتعيد كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، في هذا السياق، التذكير بتلك التوصيات في كل مرة تحضر مؤتمرًا او ندوة حول الوضع الاقتصادي والمالي العالميين. وما تزال تشكل تقارير خبراء صندوق النقد الدولي مرتكزاً رئيسيًا للحكومات في العالم الثالث بوجه خاص، حين تضع سياساتها المالية والاقتصادية. فلا أحد من المسؤولين العرب - إلا فيما ندر - مستعد أن يستمع إلى حلول او أفكار أخرى غير تلك السيناريوهات التي أعدها خبراء البنك الدولي، وهي تروج لاقتصاد عالمي رأسمالي مفتوح لا يبالي بالتوازنات الداخلية للبلدان ولا بهشاشة الوضع الاقتصادي - الاجتماعي في هذه البلدان، ولذلك نجد ان المنوال التنموي المراد الأخذ به يتمحور حول اقتصاد الولايات المتحدة وبقية بلدان المركز، وتحويل العالم كله إلى هوامش لخدمة هذا المركز حتى وان أدى ذلك إلى سحق الفقراء والمساكين وحتى الطبقة الوسطى في بلدان العالم الثالث، في ظل الغلاء ورفع الدعم والخصخصة.


ففي الوقت الذي تدعو وصايا البنك العتيدة إلى «ضبط الإنفاق العام» في البلدان العربية مثلاً، نراها تقترح على الحكومات اتخاذ قرارات برفع الدعم عن بعض السلع الرئيسة الاستهلاكية مثل اللحوم والحبوب والبنزين، علاوة على تخليص الدولة من أعباء الخدمات الصحية والتعليمية عبر خصخصة هذيْن القطاعيْن، وجعلها في احسن الأحوال مناصفة بين الدولة والشعب، ولا تختلف الوصفة التي يقدمها صندوق النقد الدولي عن تلك الوصفة التي فرضت إبان أزمة الديون في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، على بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية قبل أن تتمدد تطبيقاتها لتشمل مختلف مناطق العالم في ظل إجراءات العولمة، استنادًا الى فرض مرتكزات الاقتصاد الرأسمالي الجديد في ظل العولمة والذي لا يعبأ مطلقا بالجانب الاجتماعي، فهي تشمل فقط التأكيد على مفاهيم ضبط الإنفاق الحكومي العام، وإلغاء الدعم للمواد الاستهلاكية، وخصخصة القطاع العام واستثمارات الدولة في مجالات الصناعة والمواصلات والمياه والطاقة وأنشطة قطاع الخدمات الاجتماعية، بما فيها التعليم والصحة والخدمات البلدية والبيئية، وانتهاج سياسة الباب المفتوح أمام الاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك إلغاء قوانين حماية المنتجات المحلية وغيرها مما بات يسمى بمعيقات الاستثمارات.


وبما ان القطاع العام - وفقًا لهذه الوصفة - يجب ان يكون في خدمة القطاع الخاص، وبما ان القطاع العام فاشل وغير منتج ومفلس - وفقًا لهذه القراءة - فإن البورجوازية العربية الجديدة من الأثرياء الجدد والساعين الى الثراء بتكاسل ومن دون ابداع، سوف تكون أكثر قدرة على إنقاذنا من الفلس والفشل والارتقاء بمستوى العيش وتوفير ملايين مواطن العمل للمواطنين في كل قطر عربي، ولا شك أن وصفات البنك الدولي العلاجية سوف تحقق الرخاء والتنمية للجميع!! وللأسف الشديد فإن العديد من الخبراء والأكاديميين العرب يتم توظيفهم للمشاركة في الترويج إلى وصايا البنك العالمي، والمشاركة في الهجمة على القطاع العام، وعلى السياسيات الحكومية الرعائية التي توفر الحد الأدنى من العناية بالمواطنين، من اجل ضمان الاستقرار الاجتماعي وتقديم السند للفقراء وذوي الدخل المحدود او معدومي الدخل، بما يسهم في تجهيل الناس بأسباب تدني إنتاجية القطاع العام وتدني ربحيته، وخصوصا ما يتعلق بسوء الإدارة والفساد وضعف الحوكمة والمساءلة.


إن الحقيقة هي أن الاقتصاد العربي في حاجة ماسة الى بقاء القطاع الحكومي ودعمه وتعزيزه ولكن بعد إصلاحه وترشيده وجعله منتجا، كما هو في حاجة ماسة الى القطاع الخاص الوطني والخارجي لتنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير الوظائف، ولكنه في حاجة أيضا إلى وجود رجال أعمال رواد ومغامرين ذوي قدرة كبيرة على التجديد والتخيل والابداع. هؤلاء بإمكانهم المبادرة بدل الاتكال على الدولة واستنزافها، وبامكانهم تنمية المهارات الذهنية بشكل أرقى من (الأمية) الاقتصادية والرعوانية في التخطيط، والعفوية التي نشاهد بعض فصولها حاليا في أكثر من بلد عربي. وبامكانهم تبني حلقات الجودة على الطريقة اليابانية، وخلق علاقات ديمقراطية بين الصانع والمواد المصنوعة، وعدم النظر الى الناس على انهم مجرد (تروس) دائرة أو بيادق تنفيذ تسمع وتتحرك دون فكر أو احتمال أفضل. أما الحديث عن الاصلاح الاقتصادي، وجعله مجرد مرادف لبيع القطاع العام، فينطوي على مخاطرة ومهالك كثيرة، والمثقف الواعي له منه مواقف واعية، حتى في الغرب الرأسمالي نفسه.


وإذا كان لابد من ابتلاع (الوصايا) والوصفات والسير على هدى هذا النظام فعلى الأقل يجب الاهتداء بما أفرزه نوابغ الرأسمالية من تايلور الى فورد، الى منظري الصناعات اليابانية، لا مجرد تركيب عقل اقطاعي على جسد يريد ان يكون رأسماليا. فاختيار الأسود أو الأبيض أفضل من القبول باللون الرمادي. والاهتداء بسيرة (فورد) أفضل بلا شك من السير على خطى الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين.

همس
أيها المنثور في عيني، المسكون في قلبي،
أقف ساهدًا فيك،
بين صمتك في فمي، وصوتك في أذني،
يكتمل نصفُانا عندما يكتمل التاريخ.
متواعدان على حافة الليل،
وفي قلبينا تَعْلَقُ دوائرُ المستحيل.
هاربان من الشوارع المهملة،
بلا حلم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها