النسخة الورقية
العدد 11088 الأحد 18 أغسطس 2019 الموافق 17 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42PM

كتاب الايام

في شوق لتكبيرات مآذن دمشق وفوانيس عدن

رابط مختصر
العدد 9925 السبت 11 يونيو 2016 الموافق 6 رمضان 1437

ربما لا أبالغ إذا قلت إن رمضان هذا العالم هو الأصعب على العرب، على الأقل الشعوب، فلا فوانيس عدن تضيء، ولا مآذن دمشق تكبر، ومتاجر بغداد أغلقت، والقدس كما نعرفها منذ أكثر من نصف قرن لا تزال أسيرة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم.. هذا عن حالنا العربي الذي لا يسر عدو أو حبيب، فهو حال مائل ندعو الله أن يعدله ويضبط كفته لمصلحتنا نحن العرب مرة أخرى، ولعل رمضان هذا يكون بداية لشعوبنا وحكوماتنا لكي تنهض وتنفض الكسل والتراب عن كاهلها وتتحد الشعوب والحكومات العربية لتعيد لنا القدس ودمشق وبغداد وصنعاء وطرابلس ليبيا، فقد أصبحنا نعيش في زيف، وضيعنا مقولات عربية خالدة مثل: «بلح الشام وعنب اليمن»، فلم يعد هناك شام لنأكل بلحه، ولا يمن نستطيب بطعم عنبه.


فيا أيها الوجع والألم ارحل، لقد تاه أطفالنا في مسار الحياة، في عالم يتقاتل على أرضنا، ونال منها ما فوقها وما تحتها، يا أيها الوجع والألم ارحل بعيدًا عنا، وكفاك ما استوليت عليه منا، اترك لنا تراب الأرض وما فوقها.. إننا مشردون في تيه الحياة بلا أمل.. هذا ما يقوله أطفال العالم العربي حاليًا، أطفال ما عادوا يعيشون في أراضيهم التي ولدوا عليها، بل بعضهم يولد الآن في عالم الغربة، عالم خيام الإيواء تحت المطر وتحت الشمس بلا جدر أو جدران، عالم بلا مأوى، فأطفال عالمنا العربي ما عادوا يعيشون طفولتهم ويشعرون بها، وكل ما قرأوه عن تاريخهم وأمجادهم القديمة زائف في نظرهم، والحقيقة الماثلة أمامهم أن بلاد العرب، التي كانت أوطانهم لم تعد اوطانهم، صاروا يشعرون أن أراضيهم ابتعدت عنهم ولم تعد ملكهم في هذا الزمان الذي نعيشه الآن أو زمانهم القادم، فأراضيهم قد احتلت، ليس من مستعمر أجنبي كما كان في سابق الآوان، ولكن احتلها بنو وطنهم، ما بين مدعي الإسلام أو الوطنية الجديدة، فأصبحت أوطانهم مجزأة ما بين بقعة لداعش، وأخرى لهذا الفصيل، وأخرى لذاك المعارض الذي لا نعلم من أين جاء، وما هي كنيته أو تاريخه.


أصبح الوطن العربي مستباحًا اليوم في أعين الأطفال، فلا حرية ولا أرض ولا علوم ولا مدارس، لم تعد للأطفال ألعاب يلهون بها، حتي جاءهم رمضان بلا تكبير أو آذان، فمر هلاله سريعًا بلا احتفالات صاخبة اعتادوها صغارًا أو عندما كانوا صغارًا، فأطفال اليوم شابوا قبل الآوان، ما عاد لرؤية هلال رمضان فرحة لديهم، وسؤالهم: «أين الهلال؟ وبأي أرض أو زمان؟». فلم تعد هناك فوانيس تبهجهم ولا مصابيح تنير له دروبهم، ولا دكاكين يشترون منها حلوياتهم. وإذا تحدثنا عن دمشق وسوق الحميدية، فقد اختفى جماله وزال بريقه ولم يعد يسعد ناظريه، فكل ما تبقى في دمش وسوريا أشلاء جثث وعظام ودمار، ولم تعد هناك حوانيت يتحاكون في جمال وروعة معروضاتها ومنتجاتها.


حالنا هذا ليس عربيًا فقط، وإن كان بداخلنا أقل وطأة، فرمضان في زماننا الذي مضى كنا نفخر فيه بالأواني الجديدة التي نستقبل الشهر الكريم بها، فرحة بقدوم الشهر وكنا نتباهى بنوعية الأواني ونغيرها كل أسبوع بأنواع أخرى جديدة، فقد تناسينا هذا الاحتفال رغم بساطته، وتناسينا أيضا مشاهد أخرى ارتبطت في إذهاننا بالشهر الفضيل..


لقد اختلف حالنا وتبدل، كنا نتباهى بالجلسة الواحدة، جميع أفراد الأسرة، سفرة واحدة، كانت العادات تقربنا وتسعدنا، حتي هذه العادات تغيرت، كنا نفرح بقدوم الشهر الفضيل، برؤية الهلال واحتفاله الخاص الذي لن ننساه ما حيينا، وفي عالمنا الحالي، نرى كثيرًا من العائلات لا تأكل طعامًا من صنع الزوجات والبنات، فكان «الديلفري» بالأمر المباشر من المطاعم والفنادق، طعام يزيد عن حاجتنا، طعام بلا طعم فلا تذوق فيه، ولكن ثمة ميزة في هذا وهي كثرة الجمعيات الخيرية التي تجمع بقايا هذه الولائم وتعيد توزيعها علي الفقراء والمساكين.


وبمناسبة رمضان، فقد رأيت في مصر انتشار ما يسمونه هناك بـ «الموائد الرمضانية» وهي لم تعد قاصرة على الفقراء والمساكين فقط، فهي تجمع كل هؤلاء ومعهم عابر سبيل، إنسان تأخر في عمله ولم يلحق الإفطار مع أسرته، وآخر يريد مشاركة الفقراء أكلهم وطعامهم وفرحتهم البسيطة، وربما أضاف هذا العابر بعضًا مما رزقه الله على صنوف المائدة من أطعمة ومشروبات، ولعل هذا ما تتميز به مصر والمصريون في رمضان، وإن كانت المائدة ليست أسرية، فهي تعتبر ما انضم إليها عضوًا في الأسرة الجديدة.


لقد تحدثت في البداية عن وطننا العربي الذي لم يعد وطننا، بل وطن الغريب والمتأسلم والمعارض المأجور، وأصبح جزءًا منه بسيطًا للغاية وطنًا لحكوماته أو أنظمته التي آلت على نفسها خراب هذه الأوطان وتخريبها ولم تفعل شيئًا لانقاذه.. فأين بلح الشام وسوريا مقسمة على نفسها، تتقاسم ترسيم حدودها ومستقبلها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، فكل قوي تجمع تحت إبطها مجموعة من السوريين، موسكو تسمي بعض القوى معارضة مستأنسة فتجذبها لجناحها وكذلك النظام ذاته، وواشنطن تجذب مجموعة أخرى، ثم يدعو الطرفان - موسكو وواشنطن - كل هؤلاء تحت مظلة الأمم المتحدة للمشارك في مفاوضات لا طائل منها، مفاوضات طويلة الأجل، مفاوضات بلا جدول أعمال أو نتيجة مرجوة، فتزداد أزمة السوريين، شعبًا وأطفالاً، وخشيتنا أن يأتينا رمضان المقبل ونحن في هذه الدوامة،


وأمامنا وأمام أطفال سوريا في الشتات، تحذير المبعوث الدولي الى سوريا ستيفان دي ميستورا من تعرض الكثير من المدنيين السوريين لخطر المجاعة في حال لم تسمح دمشق والفصائل المقاتلة المعارضة بوصول المزيد من القوافل الإنسانية التي تنقل المساعدات، فيما نقل عن تقارير موثقة أن الأطفال في مدن سورية كثيرة بدأوا يعانون من سوء تغذية حاد، وهم مهددون بالموت إذا لم تتمكن الأمم المتحدة من الوصول إليهم. وتقدر الأمم المتحدة عدد السوريين الذين يعيشون في مناطق محاصرة بأكثر من 400 ألف شخص معظمهم في مناطق تحاصرها قوات النظام، بالإضافة إلى ذلك يعيش أكثر من 4 ملايين شخص في مناطق يصعب الوصول إليها وتقع عمومًا بالقرب من مناطق القتال وحواجز التفتيش.


أما عنب اليمن، فحدث ولا حرج، كتبنا وكتب غيرنا كثيرًا، فاليمن لم يعد سعيدًا، وكيف له أن يكون سعيدًا، وقد بدد حكامه ثرواته ونعيمه في حروب شتى، مرة مع القاعدة، وأخرى مع حوثيين، حتى تلاقت رغبة نظام علي عبدالله صالح مع أعدائه القدامى في تدمير شعبه والقضاء على مستقبله، ليضيع أطفاله ويشتتون، وليمر عليهم رمضان بلا رؤية أو احتفالات، بلا فوانيس، بلا تهاني بقدوم الشهر الفضيل، أطفال اليمن سيكبرون العام القادم وهم لا يعلمون - ولا نحن أيضا - هل سيكون هناك يمن، أم يمنان، أو ثلاثة، كله في علم الغيب، فالقادة أو ما يفترض أنهم قادة وكان عليهم حكم شعوبهم والتصرف بعقل وحكمة، وضعوا متاريس على عقولهم لكي لا تعمل ولتظل غائبة عن الوعي، حتى غابت بلدانهم عن الوعي.


وربما نذكر بحقيقة مرة، فقد طبع المتمردون الحوثيون في اليمن مائة مليار ريال دون غطاء من العملات الأجنبية في مغامرة لا يقدم عليها سوى أناس لا يعرفون ربنا، مغامرة لم يقدم عليها أي إنسان في دولة غير عربية. لم يأبه الحوثيون ومعهم جنود علي عبدالله صالح بمصلحة ومستقبل اليمن، فعاثوا فسادًا هناك ليقترب هذا البلد - الذي كان سعيدا - من حافة الانهيار الاقتصادي بسبب الحرب والصراعات العسكرية والسياسية التي يمر بها اليمن والتي خلقت تشوهات في الجانب الاقتصادي٬ وانعكست سلبًا على مستوى معيشة المواطنين٬ إضافة إلى انخفاض الإيرادات.


وإذ لا يسع المقام الحديث عن شعبنا في العراق، أري لزامًا علينا اضافة جزء بسيط عما اعترف به علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران ٬ بأن «يد» إيران متورطة في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان للدفاع عما أسماه بـ «مصالحها القومية»، ويزيد هذا المسؤول بقوله إن بلاده لن تنسحب من تلك المناطق بسهولة رغم أن الاستمرار فيها صعب للغاية. ولم يشأ أمير عبد اللهيان، مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون الشرق الأوسط٬ أن يترك الحديث لرفسنجاني فقط، ليتدخل هو أيضا بقوله: إن طهران حازمة في مواصلة دورها (الاستشاري) في المنطقة، ثم يصف بصفاقة لا حد لها هذا الدور بأنه «مصيري لضمان أمن واستقرار دول المنطقة والعالم».


وبمناسبة تشتت أمورنا وغياب عقولنا، فقد أبهرنا المدعو علي شمخاني الأمين العام في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عندما دافع عن قرار بلاده في التدخل بسوريا والعراق وربط تدخل إيران «بقوتها الإقليمية» قائلاً إنه «لو لم تكن إيران قوية فإن الدول الصغيرة تستعرض قوتها ضدنا، وإن تعزيز تلك القدرات سيمكن إيران من منع مناورة الأعداء».


بعد هذه الأحاديث الإيرانية في شؤوننا الداخلية، لم يسع المقام لنتحدث عن العراق الذي يعيش الفوضى في كل صورها، وليبيا التي ضاعت للأسف ويحاول إرهابيوها تشديد الخناق على مصر لإرهاقها أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وأخيرًا فلسطين التي قال عنها المرشح الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب إنه سيعترف بالمستوطنات اليهودية غير الشرعية ولن يعترض على إنشائها فوق الأراضي الفلسطينية، ويكفي أن هذا المرشح تجرأ على الحق وأبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو بأنه لن يوافق على أي حل للقضية الفلسطينية إلا إذا وافقت عليه تل أبيب.
بعد كل هذا، هل نفرح بشهر رمضان؟؟ كيف؟؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها