النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

حول سؤال الشيخة مي مجددًا.. من أجل أن تستمر البحرين في التاريخ

رابط مختصر
العدد 9922 الأربعاء 8 يونيو 2016 الموافق 3 رمضان 1437

أثار مقال الأسبوع الماضي حول سؤال الشيخة مي الخليفة، رئيسة هيئة الثقافة والاثار، بشأن غياب عدد من المثقفين عن فضاءات العمل الثقافي الرسمي والأهلي، عددًا من التعليقات المؤبدة والمعارضة للتشخيص الذي اجتهد في تقديمه المقال السابق، ويمكن اختزال هذه التعليقات في موقفين:


الموقف الأول: يرفض ما ذكر في المقال السابق بأن «أغلب المحتجين على الثقافة الرسمية هم في الأساس من أصحاب المواقف السياسية المعارضة لكل ما هو رسمي ثقافي أو غير ثقافي،» ويعتبر أن مثل هذا القول «مجرد ادعاء من للهروب إلى الامام وللتغطية على حقيقة الازمة»، وأن «الخلل يكمن في موقف الثقافة الرسمية إزاء المثقف البحريني مادامت أغلب الفعاليات الثقافية تستضيف غير بحرينيين، لأن الثقافة الرسمية لا تثق فيه أو لا تعبأ به أو لا تعتبره مبدعًا، بالرغم من أن لتفعيل دور الثقافة ونشرها في المجتمع، لا يمكن أن يضطلع به إلا المثقف البحريني، لأنه ابن البيئة البحرينية والباقي والآخرون عابرون». (حسب قولهم).


- الموقف الثاني: يرى أن «الخلل يكمن في السياسيين المتسللين داخل الفضاء الثقافي، وأن هناك مشكلة في ربط الثقافة بالسياسة بشكل عضوي، تمامًا مثل ربط المنبر الديني بالمنبر السياسي، واستخدام المنبر الثقافي لتحقيق هدف أيديولوجي مباشر او غير مباشر».


ويستطرد أصحاب هذا الموقف: «خطؤنا أننا اعتقدنا أن السياسيين المؤدلجين هم النخبة المثقفة، وهذا وهم تجاوزته الأمم المتقدمة، وذلك لأن المشتغلين بالسياسة هم في الغالب الأعم أصحاب مصالح ضيقة، ومقاصد أيديولوجية فئوية لا علاقة لها في الغالب بآفاق الثقافة الرحبة».


(انتهت الاقتباسات عن الموقفين أوردتها مختصرة مع تعديل بسيط غير مخلٍ في الصياغة فقط).


والحقيقة أن هذه الإشكالية تقودنا إلى ملاحظتين:


- الأولى أن الموقف الأيديولوجي المناهض للثقافة الرسمية أو شبه الرسمية، والقطيعة أو شبه القطيعة موجودة منذ عقود - بالرغم من تغير الوجوه وتغير نوعية الهيمنة الحزبية - حتى لما كانت الثقافة تدار فقط من خلال وجوه بحرينية (رسمية او شيبه رسمية)، وهذه القطيعة تشمل الثقافة كما تشمل الاعلام والسياسة في مراحل معينة، مما يؤكد بأن المسألة في جوهرها لا علاقة لها بنوعية البرمجة الثقافية لربيع الثقافة على سبيل المثال، فتلك مجرد مسألة جزئية يمكن الوصول بشأنها إلى حلول وسط عندما يقبل المثقف ان يكون جزءا من المنظومة، أو العمل من داخلها، ولكن النخبة السياسية المثقفة في اتجاهها الأعم، ومن موقع المعارضة لما هو رسمي ما تزال، لا تريد ان تكون جزءًا من الرسمي في اغلب الأحيان، بالرغم من التطور المشهود الذي طرأ على الثقافة الرسمية، منذ استلمت الشيخة مي الخليفة ملفها، وبالرغم من أن الفضاءات الثقافية قد أصبحت أكبر اتساعًا وتنوعًا ومتاحة أمام المبدعين والمثقفين أكثر من السابق. ولا نتحدث هنا عمن لهم خلاف مع توجهات الهيئة او أولوياتها او آليات عملها، لان هذا الخلاف مشروع وعادي ومعلن عنه في اكثر من مناسبة، ولكن نتحدث عن الموقف السياسي من الأجهزة الرسمية وعملها بشكل عام، كجزء لا يتجزأ من الموقف السياسي العام المضاد للسلطة وخياراتها، أما المثقفون غير المؤدلجين فإنهم يستفيدون من جميع الفضاءات الثقافية المتاحة، رسمية كانت او غير رسمية، ولا يلجأون الى المقاطعة إلا بمقدار ما تخدم او لا تخدم إبداعهم او قناعاتهم الإبداعية، وليس نتيجة لموقف سياسي مسبق: (ويلاحظ هنا ان المقاطعة قط تشمل في بعض الحيان حتى بعض المؤسسات الاهلية، التي تتم مقاطعتها في فترات محددة لأسباب لها علاقة بالسياسة وليس بالإبداع في الغالب الأعم. ولذلك فإن العمل الثقافي الذي تضطلع به بعض النخب هو في نظرها جبهة أخرى من «جبهات النضال السياسي».


لقد كانت ثقافة النخبة المسيسة في اغلب الاحيان في وادٍ، والثقافة الرسمية في وادٍ، الا لفترة محدودة، امتدت منذ الإعلان عن ميثاق العمل الوطني، وحتى قبيل ازمة 2011م، وهي الفترة التي بدأت فيها الجسور بين ثقافة النخبة والثقافة الرسمية تبنى بشكل ملموس، بالمعنى السياسي بالدرجة الأولى، وشعر مثقفو النخبة ان المشروع السياسي الجيد يخاطبهم ويدرجهم ضمن منظوره للتغيير، وقد لعبت الشيخة مي الخليفة في هذا المجال، منذ كانت وكيلاً مساعدًا للثقافة والتراث، دورًا محوريًا مشهودًا، حيث تمكنت من جذب العشرات من المثقفين من الأجيال المختلفة، ليعملوا معها في بوتقة واحدة تقلصت فيها الفواصل بين الرسمي والأهلي الى حد كبير، وتمكنت من خلال مركز الشيخ إبراهيم ان تذيب الجليد الذي كان قائمًا خلال الفترة السابقة، وبسطت مجال المشاركة الفاعلة أمام نخبة شباب البحرين ومبدعيها الكبار الذين تواجدوا وأثثوا هذه الفضاءات في العديد المناسبات.


ومع ذلك يجب ان نعترف بأن العلاقة بين (السياسي) و(الثقافي) تبدو أكثر العلاقات جدلية، باعتبار أن أي تغيير مجتمعي يظل رهن الخطاب الثقافي الذي يمهد له ويكرسه واقعا لا مثالا بعيد المنال، ومن هنا تكون أهمية حضور الثقافة - وهي الفعل القادر على الإحاطة وعلى التغلغل في النسيج الاجتماعي، حتى لا تكون الديمقراطية قرارًا معلقًا في سماء المثال، بل سلوكًا ناتجًا عن وعي وحاجة بأن تكون الديمقراطية - مثلها مثل الحرية - المفردة الأساسية في حياتنا. وإذا كنا نقر بصعوبة الفصل التام بين السياسي عن حتى باسم الاستقلالية، فإننا نعي من جهة أخرى بان المطلوب هو سيادة الثقافي على السياسي، وعلى الاقل اعتبار (السياسي) للثقافي طاقة توجيه وخلق يقطع مع النزعة النفعية المباشرة، كممارسة شوهت الثقافي في الكثير من الأحيان، وأعاقت تطوره وحرمتنا ولمدة طويلة، من بروز قامات إبداعية تجسد حضورها عربيًا ودوليًا.


الثاني: أن علينا أن نقر بصراحة - وان لم يعجب هذا الكلام بعض الأصدقاء - أن الفضاءات الثقافية الرسمية او الأهلية بالرغم من بعض التحفظات التي سبق وأشرنا إليها - منفتحة، تعددية، تجري في مناخ ديمقراطي، وليس ثمة أي قطب يذوب فيه كل الأقطاب الأخرى، أو شلة تستولي على النشر وترتيب الندوات والبرامج والفعاليات. كما علينا أن نقر أن المناخ الثقافي فيه العديد من الجوانب المضيئة التي تحتاج إلى دعم المثقفين وحضورهم وتفاعلهم دون الحاجة الى ان يتخلوا عن قناعاتهم السياسية والأيديولوجية أو عن مواقفهم السياسية، ولكن المهم أن لا يحاولوا فرضها على الجميع. كما أن صياغة البرنامج الديمقراطي لثقافتنا موكلة إلى جميع المثقفين - بتعدد مشاربهم، ولذلك فإن الجلوس على ربوة الانتظار والاكتفاء بالفرجة، هو تخل عن دور المثقف العضوي، ونأي عن خوض معركة الحياة والابداع من أجل ان تستمر البحرين في التاريخ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها