النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

نحن أيضاً سيَّسنا كل شيء

رابط مختصر
العدد 9917 الجمعة 3 يونيو 2016 الموافق 27 شعبان 1437

لديَّ القدرة على ممارسة النقد الذاتي مع ذاتي، ولديَّ الشجاعة ان أعترف بأخطاء مرحلتي في اليسار وهي جزء من تاريخي لا أتنكر له ولا أنكره ولكنني قادر على نقده بشفافية ومصداقية لا تبحث عن مبررات لها ستبدو واهية أمام الحقيقة والحق، ألم يعلمونا الاعتراف بالحق فضيلة.
ففي حومة المد اليساري بعنفوان وخلطة جيفارتية وماوتية وماركسية ولينينية مطلع السبعينات القرن الماضي وفي حومة اندفاع شبابنا السياسي الأول ولربما لمزايداتنا على بعضنا البعض وفي ذروة صراع كل فصيل مع بعضه الآخر وفي حروب الاخوة الاعداء انخرطنا في تسييس كل شيء.
من كرة القدم والرياضة عموماً مروراً بالفن والاغنية والمسرح والتمثيل والتشكيل وصولاً الى الملبس والمأكل.


أجل الملبس حين شاع المظهر اليساري في الشكل الاقرب الى الرثاثة والفوضى في اللباس بشكل متعمد ومقصود ليكسب الفرد صفة اليسارية البوريليتارية فيبدو كأحد ثوار كوبا وأحراشها وأقرب إلى مظهر زعيمها كاسترو.
أمّا الأكل فهو أيضاً بمظهر أقرب الى الخشونة البدائية لنبدو مناضلين حقيقيين، ودخلنا في سجالات ساخنة ومعارك شديدة حول الفن بوصفة منشوراً حزبياً فصفقنا طويلاً لهكذا فنٍ شعاراتي زاعق وهاجمنا بضراوة ودون رحمة الفن الذي يهرب من السياسة ولا يسّيس مواضيعه، وفهمنا الالتزام بوصفه التزاماً بتعاليم الحزب الطليعي «اليساري طبعا»  فكنا نرفض ونلفظ على أي عمل ابداعي شعراً كان أم مسرحية فيلماً أم أغنية لوحة تشكيلية أم نحتاً ابداعياً ما دام خارج سرب التسييس والسياسة.


لقد استغرقنا في التسيس حتى الثمالة وأغرقنا الآخرين معنا الى درجة هربوا فيها من السياسة وابتعدوا لأنها أثقلت عليهم وحملتهم فوق طاقتهم البشرية وطلبت منهم التسييس في كل شيء ولكل شيء.
حتى الزيجات اصطبغت في فترتنا تلك بصبغة سياسية باختصار حتى الزيجات سيسناها، وكان الشاب المتميز منا هو الذي يتزوج رفيقة له من نفس الحزب وربما من نفس الحلقة السرية التي كان منتظماً فيها.
وعلاقات اخرى عاطفية كانت قوية وكان يمكن ان تثمر مشروع زواج ناجح انتهت قبل استكمال مشروعها بسبب من التسييس، فالرفيق او الرفيقة أحبا خارج الحزب أو أحبا شخصاً من الفريق الآخر «المناوئ» وهي غلطة فظيعة إذا لم تكن خيانة ولابد من تصويبها وتصحيح المسار النضالي المسيس بقطع العلاقة فوراً.. أجل هكذا حدث وهكذا بعض ما كان من تسييس.


وأتذكر كان البعض ناجحاً وشاطراً في اللعبة المظهرية الشكلانية حين اكتشف السر في التسييس المظهري الشعارات الصارخ، فحفظ الشعارات عن ظهر قلب وراح يرددها بمناسبة وبدون مناسبة، لكنه كان آخر من يطبقها فعلاً وصدقاً وايماناً بها. فكان يردد «المناضل آخر من ينام وآخر من يأكل وأول من يموت»، لكنه وفي حياتنا معه كان أول من ينام وأول من يأكل ومات «ربعه» وهو ما زال حياً أطال الله في عمره.


حتى المباريات سيسناها فالحكم الذي يحتسب علينا ضربة جزاء مثلاً أو ينذر لاعباً من الرفاق في التنظيم لا بد وان يكون «رجل مخابرات» أو متعاوناً مع المخابرات ولا نقول أخطأ اللاعب الرفيق فاستحق الانذار أو الطرد ولكننا نقلب الآية رأساً على عقب ونسيس الطرد.
هذه بعض حقائق التسييس في حقبتنا اليسارية أيام السبعينات حتى وان بدت لكم طريفة لسذاجتها لكنها كانت جزءاً من واقعنا التنظيمي المسيس حتى النخاع. ولربما كان غيري لديه حكايات وقصص لكنه لا يملك قدرة نقد الذات ولا شجاعة المكاشفة والمصارحة التي صدع رؤوسنا بها وهرب هو عن جزء بسيط عنها ومنها، وما زال الأخ مسيساً والله المستعان على ما سيقول حين يقرأ ما كتبت.
لكننا نكتب للتاريخ وليس للأفراد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها