النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

أهزءٌ بمدنية الدولة..؟

رابط مختصر
العدد 9915 الأربعاء 1 يونيو 2016 الموافق 25 شعبان 1437

الموقف المسؤول الذي أظهره كل من نواب الشعب وأعضاء مجلس الشورى عندما صوتوا على تمرير مشروع قانون يمنع الجمع بين المنبر الديني والانضمام إلى عضوية الجمعيات السياسية؛ لهو موقف مسؤول ومقدر، وبه كثير من الحكمة والقدرة على قراءة ما يمور به المجتمع من تداعيات المنبر الديني عندما يتم توظيفه في السياسة أو توظيف السياسة فيه؛ لأن مثل هذا الموقف له تأثير في مجمل الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. لم يكن طرح مثل هذا المنع قط ملحا مثلما هو اليوم كذلك خصوصا ونحن بدأنا نتنفس نعمة الأمن ونعيش سلامه بعد الأحداث التي عايشها مجتمعنا قبل أكثر من خمس سنوات شهدنا فيها خطورة الخلط بين المنبرين الديني والسياسي، حتى انقلبا إلى واحد، وصار اتباع مواقف الخطيب السياسي أو السياسي الخطيب واجبا شرعيا يُمكن أن يُرمى الرافض له بالخروج عن الملة. حصل ذلك في مواقف كثيرة نذكر منها، قوائم الإيمان الانتخابية التي بشر بها، أو باركها الشيخ عيسى قاسم عندما قررت جمعية «الوفاق» خوض الانتخابات النيابية عام 2006م، والرفض غير المعقول أو المبرر لقانون الأسرة في شقه الجعفري.


بالقياس مع تجارب دول كثيرة في العالم، ولعل أقربها جغرافيا إلينا تركيا، وأبعدها أندونيسيا فإن مثل هذا المنع، وحتى لا نقول فصل الدين عن السياسة بالمعنى المعمول به فيهما، سيفضي إلى حياة اجتماعية أكثر استقرارا تفتح على أفق التنمية السياسية والاقتصادية. كل ما قاله رجال الدين المعارضون لقرار المنع يؤكد على أهمية هذا القرار؛ لأن هذا القرار يسحب وسيلة من وسائل التواصل الروحي لديهم من التأثير في بسطاء الناس الذين هم غالبا وقود تيارات الإسلام السياسي.


تخيلوا وضعنا في البحرين لو أن مثل هذا القانون كان معمولا به في فترة الأحداث، فهل، يا تُرى، سيكون وقع الأحداث قد أخذ ذاك المنحى العنفي الخطير؟ هل كان للشيخ عيسى قاسم، على سبيل المثال، ذاك الحضور المؤثر في دفع عملية العنف إلى أقصى حدودها في فترة الأحداث؟ هل يشك أحد أن وقع خطبه وفتاواه كان لها التأثير السلبي الأكبر في السلم الأهلي ومقتضياته المدنية والاجتماعية والقانونية؟ لقد استخدم منبر رسول الله ليدعو إلى العنف -والشواهد حاضرة في خطبه المسموعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أكثر من أن تُحصى وتُعد- لقد دعا إلى قتل رجال الأمن، ولا أعتقد أنه اليوم توقف! اليوم وبعد أن تم أخذ مثل هذا القرار زاد منسوب التباكي حتى كتب سماحته ما كتب قبل أيام متسائلا «أهزءٌ بالإسلام، أم إهانة لأنفسنا؟»، لا أعرف حقيقة لون هذه الكتابة، أهي كانت بيانا، مثل تلك التي درج على إصدارها ولايزال؟ أم أنها مقال خص به موقع جمعية «الوفاق»؟ أم هي خطبة مثل تلك الخطب التي مازالت آثارها السلبية تجلد الواقع الاجتماعي؟ الذي أعرفه هو أنه كلام يرفض القانون جملة وتفصيلا، ويؤسس لتحشيد جماعة من الناس ضد هذا القانون بالحجج ذاتها والمنطق نفسه الذي يجعل «سماحته» معادلا موضوعيا للإسلام واسما من أسمائه، ويجعل من تم منع عبثهم بالمجال العام بعمامة الفقيه وجبة الإمام الخطيب عنوانا لحرب صريحة على الإسلام. غير أن الوعي بالانتماء الحقيقي إلى البحرين أرضا وشعبا، تاريخا وحضارة لدى قسم كبير من جماعته أدى إلى انكشاف خدع القداسة والمقدس، وإلى انحسار حضور «سماحة شيخ السحق» وتأثير فتاواه عليهم.


لا أعتقد يا سماحة الشيخ عيسى أن منع الجمع بين المنبر الديني وعضوية الجمعيات السياسية فيه شيء من هزء أو إهانة للنفس، كما بينت فيما كتبته. إنه، وأنت أكثر العارفين، إجراء يصب في مصلحة الدين أولا والتطور السياسي للمجتمع البحريني ثانيا. وهنا لنا أن نسأل هذا السؤال: هل كان أحد يتجرأ على تناول ما تطرحونه من أمور الدين والوعظ لو أنكم كنتم تنأون بمنبركم عن الزج به في أتون الانقسام السياسي؟ الشأن السياسي شأن عام، ومن يتداوله ينبغي أن يكون عرضة للنقد فلا عصمة في المجال العام، فكيف بمن طلب بخطابه «السياسديني»، إذا صح القول، شق المجتمع منتصرا لطائفة على حساب طائفة أن يكون بعيدا عن النقد؟! وليس أدل على أن المجتمع يتعثر في تطوره، وتسوء علاقات أفراده البينية بسبب تداخل الديني المذهبي بالسياسي، من استحضار تدخلكم شخصيا في الأحداث، واستخدامكم لأقسى المفردات وأكثرها تهييجا لبسطاء الناس والمراهقين.


ولنا هنا أن نذكر سماحة الشيخ عيسى قاسم بأن خطبه في عز أيام الأزمة كانت تذهب للتأجيج المذهبي ولم تكن تبحث في الشأن السياسي. لقد كانت اللغة مغالية في طرح الفتاوى مثل فتوى «اسحقوه» هل لكم يا سماحة الشيخ أن توضحوا في أي قاموس سياسي نجد كلمة «اسحقوه» بمعنى حوار أو تسامح أو تسامي على الجراح! ما نأمله من سماحتكم أن تفكوا قيد بسطاء الناس، وتتركوهم يحددون ما يستحقونه من عيش كريم في وطن كريم.


في رأيي المتواضع أن أهمية وضع حد للتداخل بين الديني والسياسي لهو من باب الحرص الذي يحفظ للدين قدسيته، ويُتيح للمجتمع البحريني تطورا إيجابيا خاليا من الخضات المذهبية كالتي تعرض لها في الرابع عشر من فبراير. فالدين لم يكن ولن يكون حكرا على شخص بعينه ودوره في نظري يكمن في صلات الفرد بخالقه أو بما يقدسه ويعلي من شأنه عنوانا لسعادته الروحية، والسياسة شأن عام مشترك تبنيه قيم المواطنة والمدنية ولا يحق لأحد أن يتدخل في هذا الشأن مدعيا أنه ناطق باسم السماء؛ لأن السياسة أرضية دنيوية مدنية ولو كره الشيخ عيسى قاسم وقال ما قال للنيل منها استهزاء في بيانه أو مقاله أو خطبته!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها