النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

أبعــــــاد

النسيان بين ذاكرتين

رابط مختصر
العدد 9913 الإثنين 30 مايو 2016 الموافق 23 شعبان 1437

على مستوى ذاكرة الافراد النسيان نعمة، وعلى مستوى ذاكرة الشعوب والاوطان النسيان نقمة.


المآسي الشخصية دواؤها النسيان فهو خير داء لأعظم بلاء، والكوارث على مستوى الشعوب داؤها النسيان ان نسيت ولم تتعلم الدرس من كارثتها العامة، والتسامح شيء والنسيان شيء آخر، «نسامح لكن لا ننسى» شعوب كثيرة قالتها ورددتها فتعلمت الحكمة وتجاوزت تكرار المأساة.


الشعب الفلسطيني لم ينس فظلت قضيته شاخصة عبر الاجيال، ومن يريد لشعب من الشعوب ان ينسى فهو يريد طمس ومحو ذاكرته، وقد فعلها غوبلز وزير اعلام هتلر ولكن الشعب الالماني لم ينس، فلم يغفر لهتلر ولم يغفر لغوبلز.


المشكلة ليست في هتلر ولا في غوبلز ولكنها في شخصيات وجماعات وتيارات واحزاب تلبستهم حالة هتلرية بامتياز فأعادوا فينا اسطورة «شعب الله المختار» بطريقتهم المتمذهبة والمتطأفنة والعنصرية، انتجوا إعلام غوبلز بأسلوبهم واعتمدوا حكمته «اكذب ثم اكذب» ومازالوا يكذبون حتى لو سقطت عن الوجوه الكاذبة جميع الاقنعة.


راهنوا قبل عقدين من الزمان على ذاكرة النسيان فينا، ولعبوا على الحبلين، ففي العلن وامام الملأ خطاب وفي الغرف المغلقة بالسواد خطاب كراهية وكذب.


تبوؤوا مناصب ووصلوا الى الكراسي والمراسي ونجح رهانهم على ذاكرة النسيان فينا، ساهمنا من حيث ندري ولا ندري في انجاح اللعبة فكسبوا الرهان الى حين.


خسر من نسي وكسب من لعب على ذاكرة النسيان وكانت الجولة الجديدة عنوانا آخر من عناوين مفاجآت الخطر الداهم.


قالوا قديما «النسيان عدو الانسان» وحتى لا يخترقهم نسيان الكوارث الكبرى فقد ارخ اباؤنا واجدادنا سنوات مولد اطفالهم ببعض تلك الكوارث حتى لا ينسوها ولا ينسوا معها العبر والدروس، فهذا مولود «سنة الطبعة» وذاك «سنة الرحمة» وهكذا احتفظت ذاكرتهم بتفاصيل لا تنسى ولا تسقط بالتقادم.


فلم نتعلم منهم حكمة التأريخ بالكارثة والحدث والحكاية فاعتمدنا الارقام، وراهن البعض على طمس ذاكرتنا بالنسيان.


لم نقرأ تاريخ الاجداد والمؤسسين الاوائل وبطولاتهم ومعاركهم وتضحياتهم وقرأنا تاريخ جيفارا ونسينا تاريخنا.


ومن ينس تاريخه يفقد ذاكرته، وهكذا ارادوا لنان أن نفقد ذاكرتنا وهويتنا، فأصبح من السهل عليهم ان يلعبوا على ورقة النسيان الذي اخترقتنا، واحترفوا اللعبة كل عشر سنوات بالتمام والكمال ففي نهاية كل عقد تكتمل دائرة النسيان فينا فيبدؤون من جديد وبعد كل بداية نعود لننسى..!!


اختطاف الذاكرة يبدأ اول ما يبدأ بالنسيان وعدم القدرة على تذكر التفاصيل، وانسان بلا ذاكرة هو عين المأساة، واختطاف تاريخك يبدأ بتفريغك منه وملء الفراغ بتاريخ آخر وتفاصيل أخرى، وهكذا فاللعبة أكبر من اللاعب، ومازالوا يلوحون لنا بيافطة النسيان لننسى، وظن بعضهم اننا نسينا فانكر ما قال وتنصّل مما فعل، فقد تعودوا منا النسيان.

ومازالوا كذلك يختبرون كل يوم ذاكرتنا لعلنا نسينا فيحاولون التسلل الى داخلنا، ليبدؤوا من جديد ذات النسق وذات الطريق وذات الوسيلة، ألم نعودهم أننا ننسى وبسرعة.


ومن جديد يتلبسهم غوبلز بلا بزة عسكرية ويدخلون في وصلة كذب مستذكرين درسه «اكذب ثم اكذب» فتفوقوا على غوبلز نفسه صاحب نظرية الكذب واصبحوا يكذبون أكثر وأكبر منه ولديهم قدرة عجيبة على فعل ذلك بدرجة استفزازية مثيرة واحيانا مقرفة، فمن يكذب على ذاكرة الشعوب كيف تصدق منه حرفا واحدا؟؟


ولكن هل يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟؟ فكيف وقد لدغ من ذات الجحر مرات؟؟ نسامح لكن لا ننسى وللتسامح شروطه ومتطلباته ومقتضياته، فالتسامح قيمة سامية وليس سذاجة بلهاء هكذا في المطلق وخارج شروطها ومقتضياتها ومتطلباتها.. أليس كذلك؟؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها