النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

روائح الموت الحياة من دون ذاكرة.. من دون تاريخ.!!

رابط مختصر
العدد 9913 الإثنين 30 مايو 2016 الموافق 23 شعبان 1437

المستشفيات أماكن يشعر فيها الإنسان بضعفه الشديد أمام المرض، وبضالته اللامحدودة أمام الألم، ولذلك يغادره الغرور وتتراجع خيلاؤه وادعاءاته واستعراضاته وأمجاده وصولاته وجولاته. في المستشفى تتراجع الشرور، ونزعات العدوان والانتقام تتخفى وراء الأغطية البيضاء والأردية المفتوحة من الخلف الأبيض، وأمام روائح الموت يتضاءل هذا «الجبار المتجبر»، فيما الموت يصبح شهوة للذين يحبون الله ويحبون الحياة الأخرى، ويرون أنها أفضل من عالمنا الذي فقد نقاوته، واستوحشت فيه النفوس. في المستشفى يبدو الإنسان مسجى أمام المرض والالم والمجهول، بين الامل والرجاء، والحيرة والخوف.


لقد وجدت نفسي خلال الأشهر القليلة الماضية ملزما بعيادة عدد من الأصدقاء الذين اقعدهم المرض وابعدهم عن الحياة في المستشفى، بل وقضى في ذات الفترة عدد من الذين تربطني بهم روابط إنسانية أو عائلية، بعضهم غيبهم الموت وهم في ريعان الشباب، اختفوا فجأة وبدون مقدمات، فالموت ماكر، لا منطق له ولا خريطة طريق. وفي تلك اللحظات تحديدا تصلنا روائح الموت فنتذكر أننا ميتون لا محالة، وسبحان الذي قهر عباده بالموت.


إن المشكلة مع الموت، أننا نعلم جميعا أننا سنموت في وقت ما، ولكننا لا نشعر بذلك إلا في لحظات محددة، ومنها اللحظات التي اسميها بلحظة «روائح الموت» عند الاقتراب من حافته كأن يكون الواحد مسجى في المستشفى في مرض شديد.. وهنا ما أزال أذكر بوضوح شديد عندما كنا صغارا كيف كنا نعبث بالموت بدلا من أن يعبث بنا، نلاعبه بدلا من ان يلاعبنا، نمكر به بدلا من أن يمكر بنا... كنا في ريعان الطفولة نحب اللعب في الجبّانات واصطياد الطيور فيها، ولم تكن الجبانة سوى ساحة للعب والعبث بالموت، وكان طيش الطفولة ينسينا حضرة الموت الجليل وبؤسه الأسود، فنملأ الساحة جريا وعبثا غير عابئين به ولا بلوم الكبار وتقريعهم لنا، ودعوتهم بان نحترم «الراقدين في حضرته».


 الأطرف من ذلك أننا كنا ونحن في اندفاعة الطفولة وبؤسها الجميل، ننتظر لحظة الموت ونتنسم روائحها في القرية، وننشر أخبارها بين الصبية، في فرح مفارق لحزن الكبار، فقد كان الموت بالنسبة إلينا حدثا مفرحا، لأنه فرصة لذبح الذبائح ونصب الموائد، يشبع منها الأطفال المحرومين-وقد كنا جميعنا شركاء في البؤس والحرمان- ومازلت اذكر بكل وضوح، أن أحد الصبية- ولم يكن آنذاك يتجاوز سن الخمس سنوات- قد جاءنا يوما راكضا ليبشرنا بموت أحد أقاربه صباحا، معلنا بأن «الليلة ستكون وليمة او ما يشبه الوليمة»..!!!


لم نكن نعرف شيئا من فلسفة الموت والحياة، ولكننا كنا ندرك في أعماق أعماقنا أنه ينبغي ألا ينظر إلى الموت كفعل دخيل، أو كتجربة غريبة تنزل بالإنسان كعقاب أخير يفنيه ويذيقه أهوال الألم عند الاحتضار، مثلما كان أهالينا يشيعون في أفهامنا الطفولية، فالوجود كان عندنا صيرورة والموت لعبة؛ لذلك لم يكن يخيفنا مطلقا، هو حدث يدعم هذه الصيرورة؛ ولولاه لما كان الإنسان متجها بفكره وتطلعاته دائما إلى الأمام. لم نكن نفهم ما يحدث من عبث الحياة والموت، الجبانة بجوار البيوت الرابضة على التلة، تحاذي الملعب والمدرس، والطيور تقع على القبور وتستظل بها والجرابيع وحتى القطط والكلاب المشردة، وحتى المشردين الذين لا يجدون مكانا يأويهم كانوا يتوسدون القبور أو ينتظرون زوارها لجمع الصدقات.. باختصار، لقد كان مشهدا بانوراميا كانه لوحة سوريالية مدهشة.


اليوم تغيرت الصورة، وانقلب السحر على الساحر، وبات الموت يمكر بنا، ولا نقوى على المكر به، يطاردنا ولا نقوى على مطاردته، نكرهه بعد أن كنا نستدعيه من أجل نصب الموائد، نهرب منه بعد أن كان يهرب منا، روائحه تزكمنا بعد أن كانت تنعشنا. الموت في طفولتنا لم يكن مشكلة فلسفية، بل كان مجرد لعبة في حياة بائسة كأداء كالحة بدون طعم أو رائحة.. واليوم أصبح الموت مشكلة وقضية، المشكلة في ( أننا نموت) وندري أننا نموت ونشعر بمشيته وراءها وجوارنا، يترصدنا، وتصلنا روائح غير الزكية صباح مساء، يحاصرنا بمكره، وفارق هائل بين أن نبحث في الموت بوصفه معنى عامًا مجردًا وبين أن نبحث في (أننا سنموت لا محالة) فيصبح الأمر معاناة يعانيها المخلوق نفسه، فيكون القلق هو الموقف الذي يدرك فيه الإنسان قمة تلاشي ماهيته الإنسانية، كما يدرك مدى ضآلته وضياع موقفه في العالم.. وما زلت أستذكر في هذا السياق قول الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر: «مأساة الإنسان أنه ألقي به في العالم ليبدأ مسيرته نحو الموت».


الا اننا لا نكتسب الشعور بفداحة الموت إلا في سياق العلاقة بالآخر بمن نحبهم، ولذلك تكمن في الإنسان «غريزة الموت التي تعبر عن محاولته العودة إلى حالة ما قبل الوجود، ولربما يعبر الانتحار عن عمق هذا الشعور باعتباره فرارا من ألم ما، فيصبح الموت ملاذا ومأوى، فيكون نسيانا، والموتى الهابطون إلى الأسفل في الأسطورة الإغريقية يشربون من نبع النسيان، كي يقضوا حياتهم الأخرى من دون ذاكرة، أي من دون تاريخ لإبطال الثنائية القائمة بين الموت والحياة، لان الطبيعة تجدد نفسها عن طريق الموت والانبعاث للوصول إلى حياة جديدة، إلا أن الموت يبقى متلبسا بآفة الفقد، كالخوف من فقد القدرة على الحب أو الخوف من فقدان القدرة على الإبداع.. فاذا لم يكن بوسعنا اختبار الموت اختبارًا مباشرًا، فإنه يظهر كتعبير عن عنف جذري وغامض يهدِّد دائمًا التنظيمَ الكوني، كما أنه يهدِّد الإنسانية، سواء أكان هذا التهديد على هيئة عدم بيولوجي أو على صورة موت روحي أو نفسي.


همس
 صوَّر أفلاطون الموت كخلاص، يسمح للنفس بأن تتحرَّر من سجنها الجسدي، وأن تتعرف إلى مصيرها، من هنا جاء قوله:»تعلُّم الفلسفة هو تعلُّم كيفية الموت». وصورت الأديان الموت باعتباره غرفة انتظار، تنطلق النفس منها نحو الحياة الأبدية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها