النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (61)

رابط مختصر
العدد 9909 الخميس 26 مايو 2016 الموافق 19 شعبان 1437

كان من اسوأ ظروف وحقيقة انحسار الحركة وتقلصها ثم تلاشيها وتحولها، انسحاب عناصر كثيرة لاسباب متعددة ومختلفة وعلى مستوى حلقات وروابط وقيادات، بل وخسرت الحركة كوادر كان بالامكان صعودها وتبوؤ مواقع قيادية مستقبلية من امثال المحامي حسن رضي الذي قرر عام 67 ان يغادر للمغرب لدراسة القانون، كما اختار كريم الشكر الهند مكانا لدراسته العلوم السياسية ليصبح فيما بعد عنصرا مهما في السلك الدبلوماسي البحريني، فيما قرر الاخرون خيارات دراسية عدة نحو بغداد والقاهرة والاتحاد السوفيتي، كما اختار الكثير منهم خيار الطلاق السياسي والتوجه لحياتهم الخاصة والاعمال المختلفة والحفاظ على وطنيتهم وتاريخهم.


وبما ان الكادر التنظيمي كنز ثمين للحزب السياسي متى ما خسره يصاب بنوع من التعطل والتعثر والخلل لفترة من الوقت، ففي الظروف السرية وشحة الكوادر يصبح من الصعب تعويض عناصر حيوية ونشطة كبدائل عنهم في تركيبة وجسم التنظيم. هذا الخلل الواضح على حركة القوميين العرب كان واضحا، بين عامي 66ـ67 ولغاية منتصف عام 1968، ناهيك عن قدرة جهاز هندرسون الجديد على اختراق بقايا تلك الجماعات التنظيمية والحلقية المشوشة. ورغم ان المناخ والفكر اليساري بدأ يتسرب بشكل اوسع مع تلك الكررايس والكتيبات الحمراء من مطبوعات دار التقدم، التي كان يبيعها خلف أحمد خلف العصفور في مكتبته، والمكتبات البحرينية الاخرى، حتى كدنا نتساءل الهذه الدرجة كان لهزيمة حزيران انعكاسات ايجابية لصالح الفكر التقدمي؟، ففي هذه الحقبة شعرت الاحزاب الشيوعية العربية أن رقعة افكارها وايديولوجيتها ومجلاتها وكتبها، نالت حظا وافرا من الانتشار ما لم تنله خلال عقود من تشكلها في المنطقة العربية. في ذلك المناخ العربي بحثت الجماهير العربية المحبطة في تلك الثقافة والكتب ملاذها وخلاصها ولربما اجوبة عميقة عن اسئلتها لحقيقة الصراع الاجتماعي الطبقي داخل بنية الفكر والمجتمع العربي ذاته.


لسنا هنا بصدد فشل البرجوازيات العربية في التغيير الجذري فتلك بحاجة لدراسة اعمق، ومن الجانب الاخر لم تكن التجربة السياسية للحركة كلها سلبية في المناطق العربية رغم الخسائر الفادحة والتضحيات الكبيرة، فقد حققت نتائج ايجابية في اليمن الجنوبي والعراق ووصلت الى سدة السلطة والحكم. شعرنا جميعنا بعد الخروج من السجن مع ذاكرة الانتفاضة اننا نعيش حالة التشرذم والتشتت والضياع، وكان لكل واحد منا خياراته القادمة مع نهج حياته السياسية الجديدة، وفي ظل هذا الفراغ الكبير والتراجيدي سيعود الاخ عوض اليماني من المغرب عام 1967، مشبعا بافكار اليسار المغربي والمدرسة الفرنسية، التي كانت مؤثراتها واضحة على الساحة السياسية والثقافية في المغرب.

هذا من جانب ومن الجانب الاخر كانت سوريا كمركز للبعث القومي وتيار صلاح البيطار وصلاح جديد في حالة تبلور وتوجه نحو فكر اليسار الجديد، الذي كان لليماني امتداد تاريخي وفكري معه. لقد وجد عوض اليماني في مشروعه السياسي التنظيمي اليساري الجديد بديلا لكل الاحزاب التاريخية في الساحة البحرينية كما كان يظن، والتي رأى انها فشلت في تحقيق التغيير نتيجة غياب البرامج والرؤى والاستراتيجيات الواضحة، فبرز للوجود تنظيم «جبهة تحرير شرق الجزيرة العربية» 1968ـ 1970 وهو اسرع تنظيم ولد في الساحة السياسية البحرينية، واسرع تنظيم انطفأ في البحرين واقصر تنظيم في التاريخ السياسي الوطني في بلادنا، فقد كان عمره السياسي سنتين لا غير.
وقد تعرفت على الاخ عوض في هذه الفترة بعد خروجي من السجن عن طريق عبدالله القصاب وظللنا نلتقي حتى تاريخ نفيي من البحرين مارس 1969، كان مشحونا عوض بحماسه الرومانتيكي الثوري وتجربته اليتيمة في الساحة البحرينية وحلمه ببناء التنظيم الماركسي اليساري الجديد.


ونتيجة الاستعجال برغبة بناء ذلك التنظيم البديل لم يحسن اختيار النوعيات التي كان من الممكن ان تشكل له عمودًا فقريًا، فكان يسعى لضم كل العناصر الوطنية التي غادرت تنظيماتها الاصلية كحركة القوميين العرب والبعث وجبهة التحرير، ليصهرهم في «تنظيمه الماركسي» الذي اعتمد برنامجه الفكري والثقافي فيه على تلخيص كتابي اصول الفلسفة الماركسية، للفيلسوف الشيوعي الفرنسي جورج بوليتزر(جزأين).


وللحقيقة التاريخية بالرغم من تمتع الاخ عوض بثقافة واسعة وحديث لبق، فان الاهم من كل ذلك ان ذاك البرنامج الفكري والثقافي كان نتاج تلخيص منهجي، لم يكن متوفرا حتى لدى جبهة التحرير برنامج فكري وثقافي مثله مكتوب ومحدد المعالم وتفصيلي، والتي كانت اعرق واقدم من تنظيم اليماني في ابجديات الفكر الماركسي.


ومع كل تلك الثقافة والاحلام والاستعجال والرغبات الرومانسية الثورية في التغيير لدى الاخ عوض اليماني، ألا أن بناء حزب ماركسي ثوري من طراز جديد كان طريقا شاقا وعسيران لم ينجح في تاريخ الثورات على صنعه إلا فلاديمير لينين الذي عرف كيف يطيح بالقيصرية الروسية العتية والذي قال ذات يوم «اعطوني منظمة ثورية اقلب لكم روسيا». ويا لمأساة «الثوريين» في البحرين بكافة توجهاتهم أنهم لم يستطيعوا حتى «قلب مدينة المنامة!!» فيما كانت احلامهم الكبرى قلب كل منطقة الخليج والجزيرة العربية!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها