النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

خلل اتصالي «صبــاح التقـاعد يا بحريـن»!

رابط مختصر
العدد 9908 الأربعاء 25 مايو 2016 الموافق 18 شعبان 1437

بالعودة إلى موضوع التقاعد وما يثيره من قلق حقيقي لدى طيف واسع من المواطنين الذين اصابهم الهلع من ان يكون التقاعد محطة أخرى للأوجاع، فإنه لابد من القول إنه من المقلق فعلا ان نكون قد دخلنا مرحلة جديدة لم يعد أمامنا فيها-بالنسبة للتقاعد وغير التقاعد-إلا تنفيذ توصيات البنك الدولي التي ما ان تحل بأرض إلا حلت معها المصاعب الاجتماعية.


لكن، وقبل ذلك دعونا نؤكد مرة أخرى ان هنالك مشكلة حقيقية تعاني منها الصناديق التقاعدية، وأن التوصيات بإصلاحها معلومة منذ عقود، إذ يشكل الارتفاع المتزايد في أعداد المتقاعدين عبئاً كبيراً على هذه الصناديق، في ظل ما يواكب ذلك من ارتفاع في مصروفات ومعاشات التقاعد التي خلفت اختلالاً بين المصروفات والاشتراكات، وبات التحدي المستقبلي يلوح في الأفق من واقع أرقام العجز الاكتواري المتوقع وواقع أنظمة التقاعد والتأمينات وأداء الصناديق التقاعدية التي اصبح الشك حول مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية قائما بقوة، إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.


العديد من دول العالم تنبهت باكراً لحجم المشكلة في أنظمتها التقاعدية ومعدلات تراكم العجز والتحدي الذي يواجهها فاضطرت إلى تغيير سن التقاعد برفعه إلى 62 عامًا أو أكثر وإلغاء التقاعد المبكر ورفع الاشتراكات وتعزيز كفاءة الصناديق الاحتياطية والاستثمارية التي تمثل سنداً لهذه الأنظمة وطوق النجاة لحمايتها من الإفلاس، خاصة في ضوء تزايد المطالبات بتحسين أوضاع المتقاعدين وتحسين المعاشات التقاعدية لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة.


إذن هنالك تحديات حقيقية ناجمة عن التغيرات الديمغرافية للسكان، والتغيرات في الإيرادات الرئيسة المرتبطة بالاستثمارات وسخاء الأنظمة التقاعدية التي تشجع على التقاعد المبكر، بما يزيد من اتساع الفجوة بين الاشتراكات وعائدات الاستثمار من ناحية، وبين المصروفات والمعاشات التقاعدية من ناحية أخرى، وهذا الفرق إمّا أن يغطى من الدولة بسد العجز واما أن يتم التقليل من المزايا التقاعدية برفع الاشتراكات ووضع قيود على التقاعد المبكر وتأخير سن التقاعد، وغيرها من قائمة التوصيات التي يتداولها جمهور المواطنين والمعلومة منذ عقود.


وعليه يجب ان نتفق انه لا مناص من معالجة هذا الخلل لإنقاذ الصناديق التقاعدية قبل فوات الأوان، خاصة في ظل الوضع المالي الصعب، هذا امر لا أتوقع ان يختلف عليه اثنان، ولكن ما يزعج حقيقة ويدعو الى القلق، هذا الخلل الاتصالي الغريب على الصعيد الرسمي أمام هذا الملف الحيوي، بالنسبة للآلاف من المواطنين، حيث ترك المواطن تأكله الحيرة والتخمينات في زمن الشفافية وحرية انتقال المعلومة، لان مثل هذه الملفات المعيشية تحتاج ماكنة اعلامية وسياسية قادرة على استقطاب الكفاءات في جولات مفتوحة من النقاش والحوار، لوضع الناس في الصورة واطلاعهم على الحقائق والمشكلات والاختلالات والحلول الممكنة، وما يترتب على ترك الأمور على ما هي عليه من مخاطر، إذا لم يتم اتخاذ إجراءات بعضها قد يكون صعبا، ولكنه قد يكون ضروريا، كل هذا كان يجب ان يوضع على الطاولة، ويناقشه المختصون والخبراء والسياسيون والاعلاميون والبرلمانيون والشوريون الذين تزخر بهم البلاد، على ألا يكون هذا الحوار مجرد بروباغندا في اتجاه واحد، تزيد من حنق جمهور المواطنين. ولذلك فإن المطلوب صراحة ودون ابطاء فتح مثل هذه الملفات المهمة للنقاش العام، ومن المرجح ان الحكومة بإمكانها ان تسجل نقاطًا عديدة، وإن تصل بالنقاش والحوار الجاد الى الوسط السعيد المحتمل من قبل المواطن.


الخلل الثاني الذي يجب ان نلفت الانتباه اليه بصراحة ووضوح ان جميع ما يروج من معلومات عن الإجراءات المحتملة يدور حول محور واحد وهو خفض المزايا التقاعدية أو إلغاء بعضها بصورة دراماتيكية قد تعصف بأوضاع الالاف من المواطنين وتزيد من وطأة صعوبات الحياة امامهم في المرجلة المقبلة خاصة مع حزمة الإجراءات التقشفية والضغط على الخدمات والمزايا الاجتماعية الأخرى في المستقبل، وربما التحول المحتمل الى نظام الضرائب، ولذلك اعتقد ان ابتلاع مثل هذه الإجراءات القاسية يحتاج الى نوع من (الرفق) بالمواطن وعدم الدفع به الى حافة اليأس او الانفجار، بما يعني اننا في حاجة ماسة الى سياسة تشاورية تشاركية وإلى حلول تدريجية، لأنه لا يمكن ان يتحمل المواطن المرهق أصلا المزيد من الإجراءات الدراماتيكية، خاصة بالنسبة الى الذين امضوا عشرات السنين في العمل ويجدون انفسهم على أبواب التقاعد أمام معادلات جديدة محبطة.


لقد مرت العديد من الدول في العالم بتجارب مهمة يمكن الاستفادة منها في التعاطي مع أزمات الصناديق التقاعدية، بعضها مؤلمة جداً، وبعضها تمت السيطرة عليها قبل فوات الأوان، ومنها اليونان واسبانيا وفرنسا والمغرب والتي كانت مشكلتها الرئيسة في عجز صندوق التقاعد مما اضطر الى إعادة هيكلة المنافع والى اتخاذ العديد من الإجراءات المؤلمة جدًا، في حين هنالك بلدان أخرى مثل هولندا وكندا استخدمت نظامًا تلقائيًا سنويًا يسمح بإجراء دراسة اكتوارية منتظمة، فإذا كان هنالك فائض يقومون بزيادة المنافع بنسب قليلة، دون أن اللجوء إلى إيجاد تشريع جديد، وبالعكس يتم خفض المنافع بشكل تلقائي أو زيادة الاشتراكات، بحيث لا يتفاجؤون بالمشكلات ومخاطر الافلاس. ومن ذلك لجوء بعض البلدان لسن التقاعد لمدة سنيتين بعد الستين، بما يمنح الموظف مدة إضافية للاستمرار في العمل، مع حفظ حقه في ترك العمل في أي وقت يرغب فيه، متى ما توفرت لديه مدة الخدمة اللازمة، إلا أن هذا الاجراء لم ينقص من حق الموظف ولو حتى جزئياً في التقاعد او في المعاش التقاعدي، من خلال منحه الفرصة لزيادة دخله سواء من خلال استمراره في الحصول على راتبه على رأس العمل، والمزايا التي تمنح له خلال هاتين السنتين، أو من خلال زيادة معاشه التقاعدي حسابياً، الى غير ذلك من الحلو، واذن هنالك خيارات وحلول عديدة، وليست بالضرورة تلك التي يقترحها البنك الدولي او يتداولها الناس، وعندما توضع على الطاولة ستكون هنالك حلول أكثر جدوى وأقل إيلامًا..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها