النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

موسيقار الأجيال.. وكوارث عهد عبدالناصر

رابط مختصر
العدد 9906 الإثنين 23 مايو 2016 الموافق 16 شعبان 1437

في تسجيل نادر للفنان الراحل «محمد عبدالوهاب»، أجراه معه في لندن عام 1985، باحث المصريات «أحمد عثمان»، وحصل عليه الزميل «أيمن الحكيم» ونشره على صفحات «المصرى اليوم» هذا الأسبوع بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله عن الدنيا في 4 مايو 1991، تحدث موسيقار الأجيال في السياسة، وأبدى رأيه في واحدة من أبرز سياسات عهد الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» هي مجانية التعليم الجامعي.


وخلاصة هذا الرأي أن «عبدالناصر» اتبع هذه السياسة تملقًا للجماهير، وأنها كانت كارثة بكل المقاييس، إذ ترتب عليها تسابق الأسر المصرية، خاصة بين الطبقات الشعبية والوسطى على إلحاق أبنائها بالجامعات، وخجل هؤلاء الأبناء من العمل في الحرف اليدوية، كالنجارة والحدادة والسمكرة والسباكة، مما أدى إلى انهيار الخدمات الحرفية، وأحدث خللاً في التوازن بين أجور الحرفيين، التي ارتفعت بسبب ندرتهم، وأجور خريجي الجامعات التي انخفضت بسبب وفرتهم عن حاجة العمل بالسوق.. وضرب «عبد الوهاب» مثلاً على ذلك أن الطباخ الذي يعمل لديه يحصل على أجر يصل إلى 150 جنيهًا في الشهر، بينما لا يتجاوز أعلى أجر يحصل عليه أبناؤه التسعة - وكلهم من خريجى الجامعات - سقف الجنيهات الأربعين شهريا.. وكان من رأي عبد الوهاب - الذي قاله لرئيس مجلس الشورى وكان عضوا معينا به - أن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو إنشاء معاهد عليا يدرس بها الطلاب هذه الحرف، وتمنح خريجيها مؤهلا جامعيا، فتحقق بذلك حاجتهم إلى درجة علمية تضفي عليهم مكانة اجتماعية، وحاجة سوق العمل إلى متخصصين في الحرف.


وليس فيما قاله موسيقار الأجيال - من حيث الموضوع - جديد، فالظاهرة التي يرصدها كانت تشغل الجميع خلال «عهد عبد الناصر» ولا تزال - بعد 46 عاما من رحيله و25 عاما من رحيل عبد الوهاب -تشغلهم، والحوار لا يزال متواصلا حتى اليوم عن أن إصلاح منظومة التعليم هو أساس بناء أي نهضة في مصر، ومن بينها أصوات تطالب بإلغاء مجانية التعليم الجامعي كخطوة أولى في هذا السبيل.. وهو ما يبدو أن عبد الوهاب كان يميل إليه ويمكن استنتاجه من ثنايا ما قاله في هذا الشأن.


لكن هناك وجوه أخرى للمشكلة تتطلب الوقوف عندها.


أول هذه الوجوه، أن «عبدالوهاب» لم يتوقف عند المبررات التي دفعت عبدالناصر لاتخاذ هذا القرار الذي وصفه بأنه كان كارثة بكل المقاييس، ولو أنه فعل لتذكر أنه كان أحد القرارات التي عرفت بـ«قرارات يوليو الاشتراكية - لعام 1961»، وهي مبررات ذكرها «عبدالناصر» آنذاك وكررها بعد ذلك كثيرا، ولم تكن هذه القرارات، تسعى - كما قال عبد الوهاب - لتملق الجماهير، ولكنها كانت أحد الملامح البارزة لرؤية عبد الناصر التي تقوم على السعي لبناء اقتصاد وطني، يدعم استقلال الإدارة الوطنية ويشبع الاحتياجات الأساسية للشعب المصري الذي عانى الحرمان طويلا. ويقوم على أساس الكفاية والعدل، أي التخطيط والتنمية من جانب، وإعادة توزيع عائد التنمية على الذين يساهمون في تحقيقه من جانب آخر، وهو ما كان يتطلب إعداد كادر من الكفاءات الوطنية، تساهم في إدارة هذا الاقتصاد، لكي يحقق الهدف منه، بما يتطلبه من إتاحة فرص التعليم الجامعي أمام الجميع، حتى يساهم في بناء هذا الكادر وتأهيله لقيادة وحدات القطاع العام، فضلا عن أنه - من الناحية الاجتماعية - يساهم في تفكيك الهرم الاجتماعي المغلق، بما يسمح للطبقات التي تعيش في السفح منه بالصعود إلى قمته عبر جهدها وعملها وما تحصله من معارف، حتى لا يظل - كما كان عبد الناصر يكرر «الفقر إرثا.. والغنى إرثا».. ولم يحدث في أى وقت من هذا العهد - الذي لم يستمر بعد صدور هذا القرار الكارثي سوى تسع سنوات - أن كف الحوار عن أهمية ربط التعليم بمتطلبات خطة التنمية وباحتياجات سوق العمل، كما أن ظاهرة اختفاء العمل الحرفي لم تبرز بهذه الحدة، إلا بعد اعتماد مصر - في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي - على تصدير العمالة الفنية المدربة، كجزء من موارد الدولة السيادية التي لا تزال تعتمد عليها حتى اليوم.


ومع التسليم بأن سياسة مجانية التعليم الجامعي، قد أسفرت عن بعض النتائج السلبية، التي تفاقمت بعد فصلها - في العهود التالية - عن الرؤية التي انطلقت منها واستندت إليها، فإن الوجه الثاني للمشكلة يكمن في أن موسيقار الأجيال قد تجاهل الجوانب الإيجابية الكثيرة التي ترتبت عليها، ومن بينها أنها أتاحت الفرصة أمام مواهب مقتدرة من أبناء الطبقات الشعبية والوسطى لكي تواصل تعليمها الجامعي، وتستكمل التعليم ما بعد الجامعي - على نفقة الدولة - في أرقى جامعات العالم، ليتشكل من هؤلاء ثروتها البشرية من التكنوقراط، الذين قدموا خبرتهم لبلادهم، وللبلاد العربية الأخرى، وحصل بعضهم على أرفع الجوائز العالمية، ومنها جائزة نوبل.


ومع أنني لا آخذ الآراء السياسية التي يبديها البعيدون عن مجال الاهتمام بالشأن العام أو متابعة، ومنهم الفنانون، مأخذ الجد، لأنني أعلم أنهم مشغولون بفنونهم عن أي شيء آخر، إلا أن الآراء السياسية التي أبداها أصحاب المكانة الخاصة منهم في نفوس الجماهير، تدهشني أحيانا لجنوحها إلى الانحياز نحو اليمين القادح، مع أن الفن في جوهره، هو تمرد على الواقع وهو انحياز للفقراء والمهمشين، ومع أنهم هم أنفسهم ينتمون - في الغالب الأعم - إلى الطبقات الوسطى والفقيرة.


وربما لهذا السبب صدمتني الآراء السياسية السلبية في الحقبة الناصرية، التي صدرت عن الفنانة الكبيرة الراحلة «فاتن حمامة» كما صدمتني تصريحات عبد الوهاب عن كارثة مجانية التعليم الجامعي، التي كشف عنها هذا التسجيل النادر، على الرغم من أن كليهما قدم أعمالا فنية عظيمة خلال تلك الحقبة، وأنهما كانا محل رعاية الدولة.. ودون مناسبة قفز إلى ذهني مطلع أغنية «عبدالوهاب» الشهيرة، التي غنّاها في الثلاثينات ويقول فيها: «محلاها عيشة الفلاح/‏ متهني في عيشته ومرتاح/‏ يتقلب على أرض براح/‏ والخيمة الزرقا ساتراه».. وفكرت في أن أرسل إليه رسالة أسأله فيها: هل كانت تلك هي حالة الفلاح يوم أنشدت هذه الأغنية أم أنها - أو جانبا منها - قد حدثت في عهد الكوارث الذي أصدر مجانية التعليم الجامعي؟!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها