النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10905 السبت 16 فبراير 2019 الموافق 11 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:55AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06AM
  • المغرب
    5:31AM
  • العشاء
    7:01AM

كتاب الايام

أسباب وجودنا في هذه الحياة

رابط مختصر
العدد 9897 السبت 14 مايو 2016 الموافق 7 شعبان 1437

من أكثر ما يؤلم الكاتب أن يختار فكرة موضوعه القادم، وربما يتوارد على ذهنه أفكار كثيرة في بعض المرات، في حين تشح الأفكار أحيانا، وبين هذا وذاك، تأتينا الفكرة من صديق، ولعلي اعترف هنا، أن تجربة الكتابة ليست حكرا علينا نحن معشر مهنة الإعلام والكتابة، فثمة أخرون يعيشون معنا وبين ظهرانينا كثيرا ما يمدونا بالأفكار، وعندما تكون الفكرة غير واضحة أحيانا، يسهب أصدقاؤنا في شرح أبعادها لنا لتكون عناصر نقوم نحن بصياغتها في قالب مقروء.. أتمني أن أكون نجحت في تفسير ما أعنيه الآن، فما سأتحدث عنه حقيقة هو نتاج حوار مع صديق وآلمني بما سأكتبه، لأنه وضعني في اختبار، هل سأنجح في تحقيق مراده؟ وعموما انتظر رده اليوم وإن كنت لا أحبذ تجربة الاختبارات أو انتظار النتائج، وما ذلك اعترف فرأيه يهمني.


لقد أعجتني الفكرة وسيطرت على ذهني ربما لأهميتها، وربما لجديتها – من الجديد – وربما لأننا لو تمسكنا بمضمونها جميعا لبلغنا العلا وكنا من أوائل الدول تقدما وتحضرا. وإذا كان لكل فكرة هدف، فما سنتحدث عنه هو متى يكتشف الإنسان هدفه في الحياة وما الذي يجب أن يتمسك به في حياته من بصمات حتى يكون شخصا نافعا، ولتكون تلك البصمات التي كتبت باسمه مثل بصمات أصابعه ولكنها في هذه الحالة يا حبذا لو تنامت وكثرت وانتشرت ولا تعد حكرا على صاحبها، فنريد تنامي هذه البصمات لتكون سمة مجتمع، ووطن، وبلد، وإقليم، وأمة عربية وإسلامية.

وكان أول من تحدث عن بصمات الحياة هو الكاتب الأمريكي مارك توين المعروف باسم «أبو الكتاب الأمريكيين»، وأترك للقراء مهمة البحث عنه في جوجل، فحياته تستحق أن تعرف، ولكننا هنا نكتفي بما رأه هذا المبدع حيث اجتهد كثيرا في الكتابة عن الإنسان وهدفه في الحياة وضرورة تجديد أهدافه في هذه الحياة، ثم ماذا عليه أن يقدم لنفسه ومجتمعه. وكان لمارك توين مقولة شهيرة وهي :»إن أهم يومين في حياتك هما: يوم مولدك ويوم أن تكتشف سبب ولادتك»، بمعنى ما هو هدفك في الحياة أو هدف وجودك فيها.


 كان من أهم قناعات مارك توين أن يعيد صنع العالم على ورقة، ولهذا اهتم بعالم الكتابة وعمل بالصحافة وبرع في فن القصص، حيث تملكت منه فكرة أن الأديب سيد حياته، ومن لديه الكثير من القصص ليحكيها امتلك هذا الكون ومن حقه صنع هذا العالم على ورقة. واعتقد أن ما تحدث عنه مارك توين حقيقي، فمؤلف القصص يحرك شخوصه وأحداثهم ويتحكم في أقدارهم، ويضع لهم نهاياتهم، فالكتابة لديه هي فن خلق واقع أكثر ملاءمة لنا وتغيير الأحداث والتطورات وتبديلها.


 قرأت طويلا عن مارك توين لكي أفهمه واستوعب آراءه، ومنها على سبيل المثال:»الحياة قصيرة، اكسر القوانين، سامح بسرعة، أحب بصدق، اضحك بلا قيود، ولا تندم على شيء جعلك تبتسم في يوم ما». ومن أعماله الجيدة أن أقام ما يسمي بـ»حفلات القراءة الجماعية» فكان الناس يشترون التذاكر لحضورها ويجلسون في مسرح كبير ليصغوا الى توين وهو يتلو عليهم ما كتبه من قصص، وهو ذكرني هنا بقصة «راوية الأفلام» وتسرد قصة فتاة صغيرة كانت ترسلها أسرتها الى سينما المدينة المجاورة لقريتهم بالمكسيك لكي تشاهد الأفلام المعروضة ثم تعود لتقصها على سكان قريتها مع تمثيل بعض مشاهدها وكأنها على المسرح، وكان لهذه الفتاة الفضل في إنقاذ أسرتها من الفقر بسبب موهبة سرد الأفلام بدقة شديدة وشد انتباه جمهورها رقيق الحال.


 استكمالا لبصمة الحياة، أو للجزء الثاني من مقولة مارك توين «ويوم أن تكتشف سبب ولادتك».. ففي اعتقادي أنه من الأفضل أن نضع نحن بأنفسنا بصمات لحياتنا من ديننا الحنيف، بصمات لنا وللأقربين منا، لأسرنا، لأصدقائنا، ولعلنا نبدأ بالابتسامة وهي أسهل ما يكون، فحقا الابتسامة الصادقة الصادرة من القلب تصل للقلوب مباشرة، وأجملها وأعذبها الابتسامة الدائمة، لأننا سنصف صاحبها بـ»صاحب الابتسامة الدائمة»، فهي لا تفارقه وتكون إحدى سمات شخصيته. وديننا أيضا يحثنا بضرورة الإحساس بمعاناة الآخرين وأحزانهم، وأن نجتهد بمسح هذه المعاناة عن قلوبهم بكلمة طيبة على الأقل، فمعروف أن للكلمة الطيبة أثرها الطيب في نفوس الآخرين، فالكلمة الطيبة أيضا من بصمات حياتنا وهي صفة تلاصقنا مدى الحياة.


 ولن نذهب بعيدا إذا تحدثنا عن بصمة رائعة في حياة كل مسلم بل وكل إنسان على وجه الأرض، وهي فضيلة حثت عليها كل الأديان، وهي الصدقة، التي قد تسد جوع فقير سواء طفلا أو كهلا غير قادر على العمل، ويكفينا الابتسامة التي تعلو وجه هذا الطفل أو غيره. ففك الكرب عن مكروب مهموم بالصدقة، يبدل حياته من نقيض لنقيض، من حزن الى سعادة، ناهيك عن رفع معنوياته وإعادة دمجه في المجتمع لما شعر به من تعاطف من الذين حوله. وقد قال النبي  صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقة»، فكم من مريض كانت الصدقة سببا  بأمر الله في شفائه، وكم من مبتلى عافاه الله، وكثيرون كانت الصدقة سببا في نماء مالهم أو سببا في حفظهم من الشرور بل وفي البركة في أهلهم وأولادهم.


 ولنا أيضا أن نبصم حياتنا  بالعمل المثابر حتى يكون ذلك العمل مخلصا لله عز وجل، وحبذا لو كللنا هذا بالصدق في حياتنا، وتصرفاتنا وسلوكياتنا، فكل هذه الصفات أو لنصفها بـ»بصمات الحياة» ستشيع فينا الأمل والتفاؤل، ولن يغيب عنا هذا الشعور الصادق المحبب الى كل نفس بشرية، فكم من نفس عاشت سعيدة بتفاؤلها، وكم من إنسان تعرض لأزمات تلو الأخرى بسبب يأسه أو شعور المزمن بالإحباط، فلنجعل في حياتنا بصمة الأمل والتفاؤل، وربما يقودنا هذا الى الإبداع في عملنا وحياتنا كلها، فأيا كانت مهنتنا ووظيفتنا فبالأمل والتفاؤل سنبدع في عملنا ومنتجنا على مستويين، الأول لنا شخصيا، والثاني للذين يتعاملون معنا، فالسلعة المتقنة التي أخرجناها ستعجب مستعملها ومستهلكها مما يجعله يرتبط بنا ولا يفرط في إنتاجنا.


ومن بصمات الحياة أيضا التي أراها ضرورية على مر السنين، أن تتصف حياتنا بالصراحة والابتعاد عن المبالغة في الحديث، كما أن للأمانة دورها في رفعة المجتمع وتقدمه، ونحن في حل من التذكير مما قاله الآخرون إنهم رأوا مسلمين في أوروبا بلا إسلام بعكس ما نراه في بلداننا من إسلام بلا مسلمين، وهي مقولة بالمناسبة ارتبطت باسم الشيخ محمد عبده أحد العلامات المضيئة في تحديث الفكر الإسلامي بمصر. وبمناسبة ذكرنا الأمانة، فعكسها طبعا وهو الخيانة من الكبائر في الدين، ومن خاننا ليس منا، وهنا يستلزم على الجميع التمسك بميزة الإخلاص قولا وعملا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبعد عنه في كل أفعاله وتصرفاته.


ولا يفوتنا أن تكون من بصماتنا في حياتنا وغيرنا أيضا البعد كل البعد عن الحقد والحسد، ليس تجنبا فقط لأن نكون من بين أشر خلق الله وأخبثهم، ولكن الحاقد والحاسد لن تطأ قدماه الجنة لعدم إيمانه بما قسمه الله لنا ولغيرنا، فمن يطلب زوال النعمة من غيره لا يستحق الحياة وكذلك يحرم الجنة.


 وثمة بصمة سهلة للغاية ولن ترهقنا بل ستضاف لحسناتنا، ونتذكر هنا معا الحديث النبوي: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). فقد أراد رسولنا الكريم  - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي تصورا مجملا عن الإيمان، وأنه متعدد الأركان والشرائع، فكان التوحيد أعلى مراتبه، وأدناها ما لا يقيم له الناس وزنا من الأعمال الصالحة كإماطة الأذى عن الطريق، فيما جاء ذكر «الحياء» للدلالة على ما بينهما من أعمال صالحة يصدق على جميعها مسمى الإيمان، وهذا أيضا من بصمات الإنسان، والتي يجب أن يتحلى بها، وهو خلق يححب الإنسان عن فعل الرذائل وارتكاب القبائح. فهل لنا في بصمة أسهل من هذا، فما أسهل وأيسر هذا حتى على أصغر طفل، وهو ما يجب أن نعلمه لأطفالنا، فهذا الفعل الطيب من بصمات الحياة.


 وأخيرا، لنعد الى  بدايتنا، فالبصمة الطيبة مثل الجوهرة تزيد قيمتها مع الزمن حتى وإن علاها الغبار، فما علينا هنا سوى إزالة هذا الغبار لنمتع أعيننا بأصل الجوهرة، فهكذا هي بصماتنا، لا تزول، وتدوم، وتظل ملازمة لنا في حياتنا وحتى تحيا بها ذكرانا. ولنتذكر أن الدين المعاملة، وبالتالي نحقق أهدافنا، أو الجزء الثاني من مقولة مارك توين «إن أهم يومين في حياتك هما: يوم مولدك.. ويوم أن تكتشف سبب ولادتك»، هذا بعكس شاعر المهجر اللبناني إيليا أبوماضي الذي ظل حائرا وليس داريا لماذا جاء للدنيا وماذا سيجني منها! والأهم من كل هذا أنه بامكاننا صنع عالمنا الجميل..نعم نستطيع.


 قبل الأخير

أستاذي الكبير محمد العيد صاحب كتاب «غيض من فيض الأيام»


 أهداني أستاذي الكبير محمد العيد صاحب كتاب «غيض من فيض الأيام»، ولكم يشرفني هذا الإهداء، فهو معلمي الذي تتلمذنا على يديه، وهو مرشدي وقائد مصنع الأبطال الذي ربى فينا الانتماء لهذا الوطن، ونتذكر كم مرة قال  لنا: منكم من سيتخرج ضابطا ومعلما وطبيبا ومهندسا، والأهم من الاختصاص هو الإخلاص في العمل، فأخلصنا..فعطاؤكم كان دافعا لنا لتحقيق الأفضل.


 تذكرت وأنا أقلب كتاب السيرة العظيم، كم كانت لتربيتكم لنا أثرها البالغ في النفس والذكريات، وكان عطاؤكم العظيم وتواضعكم وإخلاصكم نبراسا لنا في حياتنا العملية، فكنتم ركيزتنا بما رسمتوه لنا من معالم الحياة، ويكفي ما أورثتموه لنا من مزية حب الوطن.


 أستاذي ومعلمي الفاضل صاحب «غيض من فيض الأيام».. مهما كتبنا وتحدثنا لن نوفيك حقك حتى لو كررنا كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي، فكلماته وأبياته لا تفي بما تعلمناه من أستاذنا الكبير:


 
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا                 
 كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي        
يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـلّمٍ              
علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى
أخرجـتَ هذا العقلَ من ظلماته             
وهديتَهُ النـورَ المبينَ سـبيلا


 
فلك أستاذي محمد العيد..يا من بذلت الغالي والنفيس لتأسيس عقولنا وتشكيل وعينا وإرساء القيم الحسنة، يامن تعلمنا منكم الأخلاق ودروس الحياة ومعنى العطاء الذي لا ينضب ورسختم  في نفوسنا القيم النبيلة، أشكركم على هديتكم لي  في زماني الذي مضى من علم وتعليم، وزماني الآني بكتابكم الذي غنمنا منه الشعر وأسلوب الكتابة السلس، بكلمات تصل للقلوب مباشرة، ولكم أعادني وأنا أنهل منه قراءة وعلما الى سنين الطفولة عبر «مشاهد وأحداث من الأربعينيات والخمسينيات»، لأتذكر عبر كتابكم رمضان في أيامنا الخوالي، ونحن على مشارف هذا الشهر العظيم أعاده المولى عز وجل عليكم باليمن والبركات.


 أستاذي الغالي.. شكري وتقديري لصنيعكم لنا صغارا وكبارا ويكفيني شرفا أن أستاذي ومعلمي الكبير الذي علمني حروف الدنيا، أهداني كتابه الغالي «غيض من فيض الكلام».

 

 * كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها