النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

رثاء وفضفضة!!

رابط مختصر
العدد 9896 الجمعة 13 مايو 2016 الموافق 6 شعبان 1437

 الموت نقيض الحياة، وبالقدر الذي يعشق فيه الإنسان الحياة يكره الموت المجاني الذي لا يكون لسبب مقدس مثل الدفاع عن الوطن أو الشرف، ولا أدري إذا ما كان الميت يفجع في لحظة ما من مفارقته الحياة أم لا، إلا أن الثابت والأكيد أن من يفجعون، وتفيض مشاعرهم حزنا على الميت هم الباقون على قيد الحياة. الأحياء لا يتركون أثرا في الميت بعد أن تحدث الوفاة، بل إن الميت هو من يترك أثره في الأحياء.

إلى جانب العطاء الإنساني للمتوفي هناك جملة من الاعتبارات تبقي هذا أو ذاك من المغادرين للحياة في وجدان الأحياء، ولعل الصيت والسمعة الحسنة والخلق والنبل والشهامة في مقدمتها.


 بعض الموت يكون مفاجئا صاعقا، وبعضه الآخر يكون متوقعا وعلى يد الطب صار معلوما في أحيان كثيرة، وخصوصا عندما يكون سبب بعض الموت مرضا عضالا يعجز الطب عن إيجاد علاج ملائم له وبات.

الموت المتوقع معاناته شديدة تستمر من حدوث المرض إلى لحظة حضور الموت مدججا بإهابه ورهبته، وببكائياته وأحزانه. لا شك أن الموت بسبب مرض عضال يخلف معاناة شديدة، إنه مديد الوجع، ولكن هناك ما يخفف على المريض وأهله، فالقناعة الإيمانية بأن آلام المرض وأوجاعه لهي غفران مؤجل إلى يوم الحساب شكل من أشكال المسكنات الروحية التي تخفف وطأة انتظار موت آت لا ريب فيه. ومع كل ذلك تترسخ من أوجاع الموت قناعتنا جميعا بأن الموت حق وبأن الحياة أيضا حق.


 مناسبة المقدمة التأملية السالفة هو أنني قبل عام أو يزيد قليلا كتبت في هذه المساحة مقالا تناولت فيه مشكلة إحدى المواطنات وأشرت فيه إلى مرض العزيزة فاطمة ابنة عمتي متفائلا بانقشاع غمة المرض وأهواله النفسية عنها، بانيا شحنة التفاؤل تلك على صلابة عزيمتها وقوة إيمانها. كنت متيقنا من طهارة روحها وقوة إيمانها بالقضاء والقدر، وأن هذه الروح كفيلة بطرد شرور المرض وإبعاد شبح الموت. قلت عند ذاك إنها كانت تقاوم مرضا عضالا، ولقد فعلت ذلك بشكل خارق، ولم تكن كثيرة شكوى في وقت كان الألم فيه يعتصرها. أحاديث الأهل والأقارب عنها كانت تأتي دامعة وتبعث نذر عاقبة المرض من شدة وطأته عليها. أحاديث كانت يائسة وكانت مخيفة... وكانت حزينة.


 سابقت الزمن لأحظى برؤيتها فزرتها للاطمئنان عليها وكتبت، عنها لأبعث لها وهي المتابعة لما أكتب، بعضا من دفء الطفولة التي معا قضيناها نصدح بالفرح في أرجاء منزل أسرتها «بيت أحمد بن سالم» أو «بيت عمتي سبيكة» في تسمية أخرى للمنزل ذاته رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته. كانت طفلة هادئة مختلفة عن سائر الفتيات والفتية تسبقها دائما ابتسامة متسائلة إزاء كل فعل يصدر من الأقران. كانت تسكنها دائما مسحة تأملية في كل ما حولها من بشر وأشياء.


 بعد لقائي الأول والأخير بها بعد مرضها أقنعتني بما كانت تحتفظ به من شحنات التفاول والقدرة على مغالبة الألم بأنها سوف تنتصر على مرضها. كيف لا وهي التي كانت تفيض تفاؤلا بالحياة وتتوق إلى بلوغ المستقبل لمرافقة ابنها الوحيد ليحقق بعضا مما تتمناه له أم مثل إتمام دراسته ولتتأكد من أنه سيتمكن من تحقيق طموحاته. نعم كنت واثقا من انتصارها على مرضها من واقع معرفة قريبة بقوة إيمانها وصلابة عزيمتها. واليوم هأنذا أكتب بكل الأسف والحسرة أن المرض قد تمكن منها، وقبلته مستسلمة راضية بما أراد لها الله من امتحان عسير. وحان لنا مواجهة الحقيقة.. حقيقة أن فاطمة اليوم غدت بين يدي رب رحيم، تسبح في ملكوته بعد أن واريناها الثرى بقلوب يعتصرها الألم. رحمك الله يا فاطمة.


 ماذا تبقى اليوم منك أيتها الراحلة الرائعة فاطمة غير ذكراك العطرة التي خلفتها في بيوت كثيرة من بيوت أهلك ومحبيك. كان بودي أن أراك قبل أن تأفلي في عتمة الموت وفي سديم الأبد. أراك لأخاطب فيك صمتك الذي لم نعهده مذ كنا صغارا وأسائلك من من بعدك قادر على لم شمل النساء من الأهل، وخلق المناسبات التي تبعث على الفرح في كل بيت. كنت حلقة الوصل والتواصل بعد أن ذهبت جداتنا وأمهاتنا إلى دار الخلد، وتبعثرت بيوتنا الثلاثة الكبيرة وتفتت إلى بيوت صغيرة بعضها في قلالي مكث وبعضها الآخر ارتحل إلى الجوار وإلى أبعد من الجوار. صحيح أن ذلك واقع الحياة وضريبة التمدن والتكاثر وسعة العيش الذي ننعم به في بحريننا الجميلة، إلا أن ذلك التبعثر صاحبه تبعثر في المشاعر وضعف في روابط المحبة وصلة الرحم التي كانت عنوانا بارزا يحكم العلاقة بين أفراد عائلتنا كبيرة العدد. فاطمة كنت أنت واحدة ممن حافظوا على تلك المشاعر والمحبة وعملوا على إبقائها نابضة بالحياة في وسطنا العائلي وخصوصا بين نسوته. كان لسانك يعبق خطابا جميلا كله حكمة وصواب، وكان قادرا على لم الشمل.


 وداعا العزيزة فاطمة، غفر لك الله وأسكنك فسيح جناته، وألهم ابنك وإخوتك وأخواتك وأهلك وذويك الصبر والسلوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا