النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

بالقلم

إعلام منفتح وصحافة مسؤولة

رابط مختصر
العدد 9894 الأربعاء 11 مايو 2016 الموافق 4 شعبان 1437

 على الرغم من تباعد المسافات التي تفصل دول العالم ومجتمعاته، وصعوبة الجغرافيا ووعورتها، فإن جل الفضل في جعل هذا العالم قرية صغيرة يعود إلى الإعلام بصفة عامة وإلى المشتغلين فيه من الصحفيين والتقنيين بصفة خاصة. اليوم تبدو دول العالم بيوتا متجاورة حتى لتحسب أن قاطني هذه البيوت يستمعون إلى أحاديث بعضهم البعض. فإلى جانب حالات الحبور التي يمكنك معايشتها مع المجتمعات التي تصدح بالفرح نتيجة سيادة القانون واستتباب العدل والمساواة، فإنك تصيخ السمع إلى مجتمعات أخرى وهي تتنادى إلى حل المشكلات التي تتوالد لدى البعض منها لأسباب شتى منها:

الاستبداد السياسي، والقهر الاجتماعي الممارس فيها، وغياب مناويل تنموية واضحة...إلخ. مشكلات العالم التي كانت بالأمس مجهولة أصبحت اليوم معلومة بفضل اتساع رقعة سلطة الإعلام وتنوع وسائله واستفادته من الطفرة المعلوماتية الهائلة التي شهدتها البشرية في العقدين الأخيرين. ومع ذلك، فالإعلام، رغم كل فتوحاته، ليس بمطلقه مصدر خير. فبعض هذا الإعلام مصدر شرور، وعلينا التفكير معا لاستنباط ما به ندرأ أذى هذا البعض من الإعلام عن كثير من المجتمعات.


 من حق الإعلام، ومن حق المشتغلين فيه الاحتفاء بيومهم هذا ليذكروا الناس بأهمية المهنة التي تسمى بحق مهنة المتاعب. كما أنه من الأهمية بمكان تهيئة البيئة الآمنة للصحفيين والإعلاميين ليصلوا إلى المعلومات وينقلوها إلى البشر، خاصة وأن النفاذ إلى المعلومة قد بات حقا من حقوق الإنسان ووجها من وجوه تقدم منظومات الحكم وتطورها وانفتاحها على معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة، فالنفاذ إلى المعلومة حق وإيصالها واجب مهني وحماية الصحفي مسؤولية حضارية ومدنية في آن. وهذه الفكرة المبدأ، أي ضمان الوصول الآمن إلى المعلومات والدفاع عن وسائط الإعلام أمام الهجمات التي تشن على حرية الصحافة والإشادة بالصحفيين الذي فقدوا أرواحهم في أثناء أداء واجبهم هي الأسباب التي انعقد من أجلها مؤتمر في ناميبيا في الثالث من مايو 1991، ليتم إقرار هذا اليوم يوما للصحافة والصحفيين، فطوبى للصحفيين والإعلاميين عيدهم.


 إن منزلة الإعلام اليوم وتغير أدواره وصلاته بمؤشرات التنمية وارتباطه العضوي بقيم مجتمع المواطنة ودولة القانون والمؤسسات لمن الأمور الجوهرية التي جعلت مملكة البحرين تولي الإعلام عامة وحرية الصحافة بشكل خاص عناية بالغة، وليس أدل على ذلك من أن هذه الحرية قد تم صونها حتى في أحلك الفترات التي سعى فيها بعضهم إلى قلب نظام الحكم، فعلى الرغم من زائف الأخبار وغريب المقالات المتدثرة بعباءة الرأي لتحرض وتؤلب وتبشر بثقافة السحق فإن حرمة الصحافة ظلت محترمة في مملكة البحرين التي ما فتئت تراكم مكاسب المدنية والديمقراطية في زمن عز فيه هذان المطلبان على الكثير من الدول.


 وفي دلالة واضحة على المكانة العالية للإعلام والصحافة في فكر القيادة السياسية في مملكة البحرين، وفيما تترجمه هذه القيادة من أفكار ورؤى بشكل فوري، نشرت الصحف في يومين متتالين، السبت 2 مايو والأحد 3 مايو، رسالتين هامتين صادرتين من أعلى قمة الهرم السياسي بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة. الأولى كانت من رئيس مجلس الوزراء سمو الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة جعله الله ذخرا لهذه البلاد، والثانية من لدن صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه.
 الحقيقة، يتعذر علي إيجاز متضمنات هاتين الرسالتين في هذه المساحة المحدودة. لكني باختصار شديد أقول إن عنوان الرسالتين الواضح هو تقدير ودعم وتأكيد على نهج. وفي الرسالتين إصرار على مواصلة الجهود لتذليل ما يواجهه الإعلاميون والصحفيون من صعاب. الرسالتان معا تذكران الصحفيين والمشتغلين بالشأن الصحافي بمساحة الحرية التي يتيحها المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، هذا المشروع الذي ما فتئ يفتح نوافذ التنمية في المجالات كافة، كما أنهما، أي الرسالتان، تنوهان بأن هذا المشروع معين لا ينضب من الحريات في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية، لكن، وللمحافظة على هذه المكتسبات ومواصلة دعمها، ينبغي أن تكون هذه الحريات مقترنة بالمسؤولية الوطنية، وهو في ظني ما يجب أن نلتفت إليه ونحن نتعاطى شؤوننا الحياتية. فمن الإعلام ما دمر! وفي هذا الصدد علينا أن نتذكر دائما الإعلام الموبوء الذي كان يبث إبان أحداث الدوار اللعينة.


 ينبغي أن نحذر من مغبة الانزلاق أو الانسياق في الاستهتار بالمقدرات، ومن تداول كل ساقط من الكلام والأفعال المنفلتة من القيم الاجتماعية والأخلاقية واعتبارها جزءا من الحرية، والتي تصب في النهاية في خراب المجتمعات.


المسألة دقيقة، وتقتضي المصلحة الوطنية اليقظة الدائمة للتفريق بين حرية التعبير وآفة التدمير. فحرية التعبير المسؤولة تدعو إلى نشر قيم التسامح ونبذ كافة أشكال التطرف والغلو في طرح المسائل. أما الإيغال في الحديث عن الشائعات ونقل الأخبار التي تشوه سمعة البحرين وتسليط الأضواء عليها وبث التحريض الديني والمذهبي فتقود إلى تكريس الكراهية والطائفية. إعلام كهذا ينبغي أن يحاصر ولا يتاح له متنفس لكي يبث سمومه في أوساط الناس، ولن تكون هذه المحاصرة إلا بكشف زيف هذا الإعلام وتنبيه الغافلين إلى سمومه، وهو ما سيقود حتما إلى تقلص مستهلكي هذا الإعلام وضمور عددهم ضمورا منتهاه كساد سوق إعلام التدمير. علينا ألا نتجاهل إعلام التدمير بدعوى دعهم يكذبون، فتعرية زيفهم وأباطيلهم أمانة وواجب وطني، وملاحقة بعضهم بسلطان القانون والقضاء إذا ما كادوا وكذبوا وتلاعبوا بالحقائق وثلبوا وحرضوا حق مكفول في قوانين كل بلاد الدنيا وتشريعاتها لكل مواطن قرأ فيما قرأ إساءة للوطن وقيمه ورموزه الاعتبارية.  إننا لو دققنا النظر في المشهد الإعلامي البحريني، فإننا سنجد بين ظهرانينا بعضا ممن يمارس فعل الشحن المذهبي والطائفي في سعي منه للتدمير. هذا البعض لن يكف عن الجأر بالشكوى من «التضييق» على الحريات لانطلاقه من أجندات ورؤى صيغت وفق منهجية هدامة تأمل قلبا لنظام الحكم. فهل تتيح لها مؤسسات الدولة المختلفة المجال لبلوغ ذلك؟


 حرية الرأي والتعبير في المنابر الإعلامية كافة مطلوبة، لكن كل يطلب هذه الحرية من الزاوية التي تخدم أهدافه. فشتان بين من يطلبها للإصلاح والتعمير ومن يطلبها أداة لبث سمومه.


 ولذا ينبغي أن تكون هذه الحرية مؤطرة بالمسؤولية الوطنية وبالولاء للقيادة السياسية، ومن يخرج عليها ينبغي أن يطاله القانون، فالأوطان أبقى من الأشخاص، والوحدة الوطنية هي القاعدة التي يجب أن يتأسس عليها الإعلام المنفتح والصحافة الحرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها