النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

المسلمون في الواحة الأوروبية فشل «بروفة» العيش في مجتمع علماني

رابط مختصر
العدد 9894 الأربعاء 11 مايو 2016 الموافق 4 شعبان 1437

بعد التفجيرات التي حدثت في باريس وفي بروكسل والتي اتهم فيها اشخاص من أصل عربي، محسوبين على الجماعات الإسلامية، بات عيش المسلمين عامة والعرب خاصة في الفضاء الأوروبي صعبًا تشوبه الشكوك والازدراء والمخاوف، خصوصًا ان أكثر من عشرة ملايين مسلم يعيشون اليوم في البلدان الأوروبية، جاءوا من أفق العوالم البائسة والفقيرة من بلدان الطرد السكاني في المستعمرات القديمة. ومع الوقف الرسمي لهجرة العمال أواسط السبعينيات من القرن الماضي، صار وقف الهجرة من اجل العمل في الدول الأوروبية مسألة لا رجوع عنها، بعدما أسهم تكثيف سياسات التجميع العائلي في إعادة تشكيل العائلات وتوسيعها داخل الفضاء الأوروبي، وأصبحت العديد من العواصم الأوروبية تكتظ بالعرب والمسلمين داخل كانتونات مغلقة بائسة في الغالب، يتكس فيها الالاف بل مئات الالف من الفقراء والمهمشين العاطلين عن العمل والمنبوذين في الغالب، مما أدى إلى بروز التعبير عن الهوية الإسلامية كعنصر رئيسي من عناصر داخل هذا الحيّز المهاجر المستقر في أوروبا العلمانية.


واستمر الوضع على ما هو عليه إلى بدا منذ سنوات قليلة إعادة طرح موضوع المهاجرين المسلمين في ضوء تنامي قضايا الإرهاب التي أعقبت اعتداءات الحادي عشر من سيستمر الإرهابية التي ضربت الولايات المتحدة الامريكية، ولاحقًا ضربت العديد من العواصم الأوروبية، وكان أغلب المتورطين فيها عناصر إسلامية تعيش في الدخل الأوروبي مؤقتًا او بشكل دائم، وطرح هذا الوضع المزيد التساؤلات والاعتراضات القديمة المتجددة، ولكن أكثر علنية وعنفًا، أحيانًا من قبل السياسيين والإعلاميين والمجتمع عامة، بخصوص صعوبة اندماج الوافدين.


وإذا كانت الظاهرة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، تعد ظاهرة حديثة العهد مرتبطة بالنشاط الديني للمهاجرين، فإن تاريخ الإسلام لا يبدأ فعلياً إلا مع موجات الهجرة المتوالية طوال القرن العشرين وخصوصاً من ستينيات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، فمنذ السبعينات انطلق هؤلاء لإنشاء المساجد والمدارس والصحف والمجلات مما يدل على دينامية دينية تميز هؤلاء المهاجرين عن موجة الهجرة العربية في بداية القرن الماضي، والتي تميزت بنزعتها الاندماجية، وما يزيد في ظهور الإسلام والاسلمة المتزايدة لجماعات السود في المجتمع الأمريكي، ولا يمكن تفسير الدينامية الدينية الإسلامية الأميركية بخصوصيات الإسلام المهاجر فقط، بل أيضا بالموقع الخاص للدين في أميركا، حيث يشكل جزءاً لا يتجزأ من الحياة المدنية، أما في أوروبا فإن العلمنة المتقدمة للعادات والعقليات جعلت مسألة الاعتراف بالإسلام اجتماعيًا وفكريًا وقيميا أكثر صعوبة وأقل تقبلاً، وبذلك لا تشكل مسألة التنظيم المؤسساتي للإسلام قضية أوروبية ترتبط بخصوصيات العلاقة بين الدولة والكنائس، أكثر منها بعجز المسلمين عن التكيف مع مبدأ فصل السياسة عن الدين في مجتمع ينظم حيته على هذا الإسلام.


وإذا كانت جميع بلدان أوروبا تعترف بحرية المعتقد الديني فان الفصل بين الدولة والكنائس ليس القاعدة العامة السائدة فيها، ولذلك يبقى إشكال تنظيم المسلمين ومطالبهم مرهونًا بالإطار المؤسساتي الذي يعيشون ضمنه، فهم لا يعيدون النظر في هذه المبادئ السياسية بل يسعون على العكس إلى إدخال الإسلام ضمن الإطار القانوني القائم، ويبذلون جهودا للتكيف مع العلمانية الغربية بدرجاتها المختلفة، بما ذلك العلمانية الفرنسية شديدة التشدد.


إلا أن المشكلة ليست في الغالب في المسلمين ولا في الإسلام نفسه، وإنما ترجع إلى مقاومة الاعتراف بالإسلام في المجتمعات الأوروبية، وخاصة في اوروبا الغربية، وبالتالي فإن العوائق في مجملها تعود إلى العقليات أكثر منها إلى العوائق القانونية أو المؤسساتية، ففي ألمانيا تصطدم مطالبة الجمعيات الإسلامية الرئيسية بالاعتراف بها كمنظمات دينية بصورة رئيسية، لعدم استعداد المجتمع لتقبل الإسلام كدين مقيم ومعترف به، وتنبع الصعوبات في حالة فرنسا مثلاً، من مفهوم متشدد للعلمانية يفترض بموجبه إزالة جميع العلامات الدينية من الحياة العامة، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فليس هناك من مشكلة في تنظيم الإسلام و شرعيته المؤسساتية، بحكم الطبيعة الاتحادية للدولة التي لا تفرض تنظيماً مركزياً، إضافة إلى اعتبار القضايا الدينية جزءاً من قضايا المجتمع المدني، بل تدور الفروقات المهمة بين أوروبا والولايات المتحدة خصوصاً حول وضع الأديان في المجتمع، فللمرة الأولى يعيش المسلمون في مجتمعات علمانية لا تحتل فيها المرجعية الدينية مكاناً رئيسياً في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل إنها تنحصر أكثر فأكثر ضمن دائرة الحياة الخاصة.

بيد أن الوضع يختلف من مجتمع إلى آخر.


ومنذ سنة 1945م أسهمت الحروب القاسية والمتعددة في تغذية مشاعر الكراهية والأحقاد والإقصاء المتبادل على قاعدة من المعطيات الثيولوجية الإسلامية والمسيحية واليهودية التي عملت منذ القرون الوسطى كأنظمة ثقافية و(روحية) وأخلاقية وتشريعية للإقصاء المتبادل.


لقد عملت هذه المنظومات التي ترجمتها المجموعات الدينية للادعاء بأنها قد اختيرت من قبل الله بشكل خاص لحمل الحقيقة (لوحدها)، وهي نفس تلك المنظومات التي مازالت الى اليوم تعمل كثوابت لتبرير حروب بشعة وعدوانية توصف من قبل الغرب بأنها حروب (عادلة) ومتكررة منذ الحرب العالمية الأولى وحتى احتلال العراق والعدوان على ليبيا، ونسجل هنا أن هذه الصراعات تستحضر باستمرار ذلك الموروث الديني والثقافي والرمزي المشترك الذي أصبح منقسما إلى مسيحية -يهودية عصرية ولائكية من ناحية، وضفة عربية- إسلامية. كما أن الخطوط العريضة للتاريخ تعكس مسار تشكل الذاكرات الجماعية المحفورة في القلاع الخرافية - التاريخية والاوهام، وهي تتغذى دائما من المضامين الجدلية المرتكزة على الدفاع عن (الخير) و(الحق) في مواجهة (الشر) و(الضلال) والكفر.

ولذلك نجد المعجم المستخدم اليوم من قبل (أوروبا-الغرب العصري المتقدم) يستحضر التمثلات والكنايات القروسطية في ذات الوقت الذي يتم فيه الإعلان عن التمسك، وبقوة، بالإنجيل-الأرثوذكسي للقيم (الغربية): الديمقراطية، اللائيكية، الأنسوية والإنسانية. كما يتوجب التأكيد في ذات الوقت أنه من الخطأ اعتبار الإسلام أيديولوجية قتال لان هذه المنظومة تتحرك في الغالب في إطار علاقة جدلية ورد فعل ضد الضغوط الخارجية في مجتمعات محرومة تتعرض لضغوط الهيمنة الخارجية، مما جعل الهيمنة والاعتداء السياسي والثقافي والسيطرة تولد إحساسًا متزايدًا بالضعف والإهانة والتخلف والقمع والاحباط عند المسلمين.

 

همس

سكن الحزن كالعصافير قلبي
فالأسى خمرة وقلبي الإناء.
أنا جرح يمشي على قدمه
وخيولي هدها الإعياء.
وأنا الحزن من زمان صديقي
وقليل في عصرنا الأصدقاء.
نزار قباني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها