النسخة الورقية
العدد 11002 الجمعة 24 مايو 2019 الموافق 19 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

معقـــــــووول!!

رابط مختصر
العدد 9889 الجمعة 6 مايو 2016 الموافق 29 رجب 1437

تجمعني وصديقين من البحرينيين صداقات عزيزة مع إخوة سعوديين، أحدهم يطلق مفردته التعجبية «معقول»، ليترجم بها صعوبة تصديقه أحيانًا لما يسمع كلما تناهت إلى مسامعه حكاية أو حادثة أو خبر يستثير استغرابه مهما كانت طبيعة هذا الخبر أو الواقعة سياسيًا كان أو بعيدًا عن عالم السياسة، طريفًا كان أو عاديًا لا طرافة فيه. هذه الكلمة صارت لازمة عند واحد من الصديقين البحرينيين في ردة فعله الأولية على كل رسالة تأتيه عبر الواتسب آب، وأحيانًا يرسل لنا متعجبًا من ذات نفسه «معقووول» ليستبقنا في فتح محادثة ذلك اليوم في روزنامتنا التي عمدناها بالمحبة والاحترام.


الحكاية كما روتها صحف يوم الثالث والعشرين من شهر أبريل الماضي تم حبك تفاصيلها في مجلس النواب وتتمثل في أن بيت الشعب هذا قد ناقش قانونًا بتعديل المادة (11) من قانون الخدمة المدنية، والذي وضع قيدًا زمنيًا مؤداه مرور عشر سنوات على الأقل على اكتساب الجنسية البحرينية في الحكومة. فهل في مثل هذا الطرح النيابي صحة قبل أن أقول وجاهة؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي الإشارة إلى رد ديوان الخدمة المدنية الذي نبه النواب الأفاضل إلى أن ما اقترحوه من تعديل نيابي «يؤدي إلى مخالفة الدستور ومخالفة مبدأ المساواة والعدالة بين المواطنين».


لا إراديا وجدتني أطلق مفردة طيب الذكر صديقنا السعودي عندما قرأت خبرًا السالف. لا أقول إن الخبر لوحده كان كافيًا لأمد الواو التي تتضمنها كلمة «معقووول» بتكرارها وإنما ذهبت أبحث عن تفاصيل الخبر فوجدت المذكرة التفسيرية التي ضاعفت لدي العجب، وأسهمت في جعل عيني تستكملان استدارتهما من شدة العجب!
أخالك قارئي الكريم تعجب من عجبي، ولهذا أرى لزامًا عليَّ أن أوضح لك سبب ذلك ليبطل العجب. المذكرة التفسيرية تبدأ بكلام تهويمي إنشائي ضعيف المعنى والمبنى، لا سند له، وهذا ليس تقولاً مني على المذكرة وإنما هذا التوصيف الأقرب لما وجدته فيها. يقول مقدمو المذكرة «من المعلوم للجميع ما يعانيه غالبية المواطنين من فئة الشباب من عدم وجود شواغر...»، هذه مقتطفات من مقدمة مذكرة تفسيرية لقانون يحدد مستقبل شريحة معينة في المجتمع البحريني بصرف النظر عن حجمها. فهل حقًا أن أكثر من نصف شباب البحرين عاطلون عن العمل؟ لا أناقش صحة المعلومة ولكني أبحث عن السند المنطقي الموثق وفق دراسة ميدانية عن حجم البطالة بين الشباب، كي أقر بهذا الأمر وأنضم لقافلة الجميع المتحدث عنها في مقدمة المذكرة التفسيرية.


سأتجاوز ما كتب في المذكرة التفسيرية الجزئية القائلة «ولقد تفاقمت هذه الظاهرة كثيرًا بعد تجنس العديد من الأشخاص للجنسية البحرينية وتقدمهم بطلب التوظيف في الجهات الحكومية، غير أن الناظر لأصل هذا الحق في التوظيف وتولي الوظائف العامة يكون للمواطنين وفقا لما نصت عليه 16 من دستور مملكة البحرين...»، بعد أن أبدى رأيًا يقول بأن هذا المواطن الذي تتحدث عنه المذكرة هو هذا وذاك ممن يتمتع بالجنسية البحرينية وصار بحريني الهوية والهوى. قلت سأتجاوز هذا القول لأعلق على ما نصت عليه المذكرة من أن «تضمين النص بالقيد الزمني وضع لإتاحة فرص التحقق من ولاء المتجنس للدولة ومرور ما يسمى بفترة الريبة التي تتيح للسلطات المختصة قانونا سحب الجنسية..»، مثل هذا الكلام لا يمكن أن يمر من دون أن أطلق مفردة التعجب التي يطلقها صديقي السعودي، «معقووول»!


تاريخ التجنيس في البحرين ليس جديدًا، ولم يكن في الأصل موضوعًا يثير السؤال أو الاستغراب من أي طرف كان. أما اليوم، فقد صار هذا الموضوع من أكثر المواضيع التي تثار بين الحين والحين لدى بعض السياسيين والكتّاب الذين يطربون للمزايدات السياسوية وللطروحات التي من شأنها أن تعبث بالنسيج الاجتماعي فإذا بهم يصنفون المواطنين إلى بحريني مجنس وبحريني أصلي تصنيفًا هو في نظري منفذ آخر من منافذ دق أسافين الفرقة بين من جمعهم الانتماء إلى البحرين ورام بعض المراهنين على الشعبويات والمزايدات السياسوية تفريقهم. إن موضوعًا كهذا كان ولا يزال من أحد المواضيع التي تداعى لها المذهبيون من كل حدب وصوب، في الدوار وغير الدوار، ومن ثم فإن الخوض فيه على أي مستوى لم يعد يثير الاستغراب، لأن أوراق التوت قد سقطت عن سوءات المذهبيين الذين أرادوا العبث بتلاحم النسيج الاجتماعي البحريني لتيسير تنفيذ أجنداتهم المشبوهة، لكن أن يتم طرح هذا الموضوع في البرلمان فهذا والله في قمة العجب، ذلك أن هذا المكان هو بيت البحرينيين باختلافاتهم العرقية والإثنية والدينية والمذهبية، ويفترض ألا يسود فيه إلا خطاب الوحدة والتآخي والولاء للبحرين دون سواها.


في تصوري أن المقترح فاقد للمنطقية والإنسانية أيضا، فالبحريني الذي اكتسب جنسيته يفترض أنه انتظر خمسًا وعشرين سنة حتى يتأهل لشرف نيل الجنسية البحرينية، فإذا ما أضفنا إليها عشر سنوات يصبح لدينا عدد من السنوات تبلغ خمسًا وثلاثين سنة.. فماذا بقي في العمر؟!


الأصل في الموضوع هو أن يكون الإنسان المنتمي إلى هذه الأرض بحرينيًا وليس الصفة التابعة له مثل أصلي أو مجنس، فهذه مفردات ليست مواطنية ولا علاقة لها بالمواطنة، ولا صلة لها بما جبل عليه البحرينيون من أصالة وقدرة على صهر روافد بشرية مختلفة لبناء هوية متفتحة على الآخر وفية لهذه الأرض الطيبة في آن، بل ولا صلة لها بالمبادئ الكبرى التي حملها مشروع جلالة الملك حمد بن عيسى حفظه الله ورعاه والتي أرست دعائم مجتمع المواطنة.


واستسمحكم قرائي الأعزاء في أن أذكِّر النواب الكرام بأنهم ينوبون الشعب البحريني كله ولا يمثلون بطنًا من قبيلة أو فخذًا من أفخاذها أو نحلةً أو مذهبًا فهم يمثلون البحرينيين جميعهم لا فرق فيهم بين وليد وعجوز وأصلي ووافد، وأن تمثيلهم الشعب يقتضي منهم فيما يقترحونه من تعديلات وقوانين أن يراعوا قيم العدل والمساواة والانتماء والولاء والمواطنة والعيش المشترك التي بني عليها ميثاق العمل الوطني ودستور مملكتنا المعتزة أبدا بكل أبنائها الذين اختاروها عنوانًا لهويتهم. تذكروا نوابنا الأفاضل - بعضهم وليس كلهم - أن اكتساب الإنسان الجنسية البحرينية يجعله بحكم القانون يتساوى في الحظوظ الوظيفية وفي الامتيازات التي توفرها هذه الجنسية، فكفوا عن طرح مثل هذه المواضيع التي لا تسهم إلا في شق الصف الوطني. يبقى البحريني بحرينيًا دون حاجة إلى تفصيل إلا إذا كان فاقدًا لقيمتي الولاء والانتماء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها